عبد الهادي بكور
في عمق واحات درعة، حيث تمتد أشجار النخيل وتتعانق قصبات الطين مع التاريخ، يواصل فن دقة السيف أو “السقل” حضوره كأحد أبرز المظاهر الفلكلورية التي تميز مدينة زاكورة وإقليمها. إنه ليس مجرد رقصة شعبية أو عرض فني، بل هو تعبير ثقافي يحمل في طياته ذاكرة جماعية، ويجسد هوية المنطقة وقيمها الاجتماعية والإنسانية.
وتعتبر “دقة السيف” من الفنون التراثية العريقة التي توارثتها الأجيال، حيث يجتمع أفراد الفرقة في صفوف متناسقة يرتدون اللباس التقليدي الأبيض والعمامة الصحراوية، مرددين أهازيج جماعية على إيقاعات الطبول والدفوف وآلات الإيقاع المحلية، في مشهد يجمع بين الموسيقى والحركة والرمزية الثقافية.
وتحمل تسمية “السقل” دلالات مرتبطة بالقوة والشجاعة والانضباط الجماعي، إذ تعتمد الرقصة على حركات متناغمة وإيقاعات متصاعدة تعكس روح التضامن بين أفراد المجتمع، كما كانت تؤدى في المناسبات الكبرى والأعراس والاحتفالات الدينية والمواسم المحلية، لتصبح مع مرور الزمن جزءاً من الذاكرة الثقافية لسكان وادي درعة.
وقد نجحت فرق “دقة السيف وأقلال” بمدينة زاكورة في الحفاظ على هذا الموروث رغم التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفها المجتمع المغربي، حيث عملت الجمعيات المحلية على توثيقه وتقديمه في المهرجانات الوطنية والدولية، مساهمة بذلك في التعريف بالتراث اللامادي للمنطقة وصونه من الاندثار.
ولا يقتصر هذا الفن على الجانب الاستعراضي فقط، بل يحمل رسائل اجتماعية وتربوية، إذ يعزز قيم التآزر والانتماء، ويعيد ربط الأجيال الجديدة بتاريخها الثقافي. كما أصبح عنصر جذب سياحي وثقافي يستهوي الزوار والباحثين في التراث الشعبي المغربي، خاصة في ظل الاهتمام المتزايد بالتراث اللامادي باعتباره رافعة للتنمية المحلية.
وتعكس الصورة المرفقة جانباً من هذا الموروث الأصيل، حيث يظهر أفراد الفرقة بلباسهم التقليدي داخل خيمة صحراوية، وهم يؤدون إحدى لوحات “دقة السيف” وسط حضور جماهيري يعكس ارتباط الساكنة بهذا الفن المتجذر في وجدانها. كما توحي الأجواء بالبعد الاحتفالي والروحي الذي يميز هذا التراث، والذي يجمع بين الموسيقى والإنشاد والتقاليد الاجتماعية في لوحة تنبض بأصالة الجنوب المغربي.
اليوم، تبقى دقة السيف أو السقل أكثر من مجرد فلكلور شعبي؛ إنها سجل حي لذاكرة زاكورة، وجسر يربط الماضي بالحاضر، ورسالة تؤكد أن الحفاظ على التراث ليس ترفاً ثقافياً، بل مسؤولية جماعية لضمان استمرارية الهوية المغربية وتنوعها الحضاري للأجيال القادمة
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


