عبد الله مشنون. 
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
لم يعد الحديث عن كرة القدم المغربية مجرد قراءة في كتاب المفاجآت الرياضية أو استعراض لطفرة عابرة حققها جيل ذهبي في محفل ما. ما يحدث اليوم في كواليس وملاعب الساحرة المستديرة يمثل تحولاً بنيوياً في موازين القوى وإعادة صياغة كاملة لهوية المنتخبات التي كانت تُصنف حتى وقت قريب خارج دائرة النخبة التقليدية.
إن التحول الحقيقي للمنتخب المغربي لا يُقاس فقط بعدد الانتصارات أو بنسب الاستحواذ التي أربكت حسابات مدارس كروية عريقة كالمدرسة الهولندية والبرازيلية بل يُقاس بتحطيم العقدة النفسية. لقد انتقل أسود الأطلس من مرحلة البحث عن مقارعة الكبار إلى مرحلة فرض الإيقاع حيث بات الخصوم – ومهما ثقل تاريخهم – هم من يغيرون خططهم التكتيكية ويكثفون خطوطهم الدفاعية تحسباً للمواجهة.
عقود طويلة عاشتها الكرة الإفريقية والعربية تحت سقف طموح التمثيل المشرف. جاء النموذج المغربي ليكسر هذا السقف تماماً ليس عبر الشعارات بل من خلال منظومة عمل متكاملة ربطت بين التخطيط الأكاديمي طويل المدى والموهبة الفطرية والجرأة التكتيكية داخل المستطيل الأخضر.
عندما تُجبر قوى كروية كبرى على التخلي عن أسلوبها الهجومي المعتاد وتعتمد مقاربات دفاعية حذرة أمام نسيج كروي مغربي يجمع بين الانضباط الأوروبي والمهارة الفردية فنحن لا نتحدث هنا عن مجرد فوز في مباراة بل عن تغيير في الهيبة الكروية الدولية.
لم يكن هذا التحول مجرد انطباع محلي بل رصدته كبرى المنصات الرياضية العالمية بكثير من الذهول والاعتراف فالإطاحة بالمنتخب الهولندي العريق في نهائيات كأس العالم 2026 لم تمر كحدث عابر بل اعتبرتها الدوائر الإعلامية الدولية صدمة تكتيكية حقيقية أعادت ترتيب التوقعات. فقد أفردت صحف رصينة مثل ليكيب الفرنسية ومواقع متخصصة مثل فوت ميركاتو مساحات واسعة لقراءة هذا التأهل التاريخي مؤكدة أن الأسود كسروا تماماً صورة الفريق غير المرشح ليصبحوا اسماً مهاباً قادراً على مقارعة أعتى المدارس الكروية وفي أكثر المباريات حبساً للأنفاس.
ولم تكن هذه الطفرة الكروية حبيسة المستطيل الأخضر فحسب بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية عابرة للقارات. فقد اصطف خلف هذا الإنجاز ملايين من مغاربة العالم ومعهم الملايين من عشاق اللعبة وأصحاب الضمائر الكروية الحية في مختلف بقاع الأرض الذين رأوا في هذا المنتخب تجسيداً للأمل والإرادة. لقد حظي الأسود بدعم شعبي وجماهيري جارف تجاوز الحدود الجغرافية ليؤكد أن كرة القدم هي لغة الشعوب التي توحد ولا تفرق وأن النجاح يفرض احترامه على الجميع.
وعلى الصعيد الفني جاء هذا التأهل ليرسخ حقيقة أن كرة القدم الحديثة لم تعد تعبأ بالتاريخ القديم أو الأسماء الرنانة بل باتت تكافئ الجهد والانضباط الفني داخل المستطيل الأخضر وهو ما تجسد في ليلة شهدت تساقط قوى أوروبية تقليدية أخرى كألمانيا. لكن الأجمل في هذه الملحمة هو ذلك الامتداد الإنساني الذي رافقها حيث تحولت منصات التواصل إلى ساحة احتفاء عالمية لم تقف عند حدود الأرقام والإحصائيات بل احتفت بالقيم الأسرية العميقة وبراءة الطفولة التي رافقت احتفالات اللاعبين مما أضفى لمسة إنسانية استثنائية جعلت من هذا الإنجاز الرياضي رسالة ملهمة تتجاوز حدود اللعبة.
من الطبيعي أن يثير هذا الصعود السريع موجات من التباين في ردود الأفعال ففي الوقت الذي ابتهجت فيه جماهير واسعة حول العالم بهذا التميز العربي والإفريقي اختارت بعض المنصات والجهات الإعلامية الإقليمية( الجزائر) تبني قراءات مغايرة وصلت أحياناً إلى محاولات غريبة لتجاهل الهوية المغربية للإنجاز أو القفز فوق الحقائق الميدانية الواضحة.
هذا التباين في التعاطي الإعلامي والجماهيري ورغم ما يحمله من عتب بين الأشقاء الذين تجمعهم أواصر الدين واللغة والجوار إلا أنه يظل في نهاية المطاف مؤشراً على حجم الأثر الذي أحدثه المغرب. فالتجاهل أو التشكيك لا ينفي الواقع بل يرسخ حقيقة أن الإنجاز المغربي أصبح رقماً صعباً لا يمكن يتجاوزه وأن لغة الميدان تظل دائماً أبلغ من أي صمت إعلامي أو موقف عابر.
إن المستقبل لا ينتظر المترددين والمنتخب المغربي الحالي يبدو أنه استوعب هذه الحقيقة جيداً. لم يعد سقف الطموح هو التتويج الإقليمي أو القاري فحسب بل إن العين باتت بصيرة وموجهة نحو الألقاب العالمية الكبرى.
خلاصة القول: المغرب لا يحاكي القوى العظمى في كرة القدم اليوم بل يكتب فصلاً جديداً يُجبر فيه العالم على إعادة النظر في خارطة اللعبة الحقيقية. إنه زمن “الأسود” الذي يتجاوز صخب المشككين ليرسخ واقعاً ملموساً على عشب الملاعب.
وديما المغرب .
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

