الأقاليم الجنوبية بين رهانات التنمية وتحديات النخب.. هل آن أوان تجديد الفعل السياسي؟

abdelaaziz6منذ ساعتينآخر تحديث :
الأقاليم الجنوبية بين رهانات التنمية وتحديات النخب.. هل آن أوان تجديد الفعل السياسي؟

 متابعة – عزيز اليوبي .

في الوقت الذي يواصل فيه المغرب تحقيق مكاسب دبلوماسية متتالية بشأن قضية الصحراء المغربية، مدعوماً برؤية ملكية جعلت من الأقاليم الجنوبية قطباً استراتيجياً للتنمية والاستثمار، يبرز على الساحة الوطنية نقاش متجدد حول مدى قدرة النخب السياسية على مواكبة هذه التحولات، وتحويل الأوراش الكبرى إلى مكاسب تنموية يشعر بها المواطن، بعيداً عن الممارسات التي يرى كثيرون أنها تعيق مسار الإصلاح.

وفي هذا الإطار، دق الفاعل المدني (أحمد الصلاي) ناقوس الخطر، محذراً من استمرار مجموعة من الاختلالات التي تؤثر، حسب تقديره، في فعالية الأداء السياسي بالأقاليم الجنوبية، وعلى رأسها ضعف التعبئة الحزبية، واستمرار ظاهرة التوريث السياسي، وتراجع أدوار المجتمع المدني في مواكبة الأوراش التنموية الكبرى.

ويرى( الصلاي ) أن اللحظة الراهنة تفرض على مختلف الفاعلين السياسيين الارتقاء إلى مستوى التحولات التي تشهدها القضية الوطنية، خاصة في ظل الاعترافات الدولية المتزايدة بمغربية الصحراء، وما رافقها من دينامية دبلوماسية يقودها جلالة الملك محمد السادس، والتي عززت مكانة المملكة على المستويين الإقليمي والدولي.

ويؤكد أن هذه المكاسب السياسية والدبلوماسية تحتاج إلى جبهة داخلية قوية، قوامها مؤسسات منتخبة ذات مصداقية، ونخب سياسية قادرة على التواصل مع المواطنين، والاستماع إلى انتظاراتهم، والعمل على تحويل البرامج التنموية إلى مشاريع تلامس الواقع اليومي للساكنة.

ويثير ( الصلاي) قضية التوريث السياسي باعتبارها إحدى الإشكالات التي تستوجب نقاشاً وطنياً مسؤولاً، موضحاً أن استمرار انتقال المسؤوليات والتمثيلية الانتخابية داخل بعض العائلات السياسية يحد من مبدأ تكافؤ الفرص، ويقلص من إمكانية بروز كفاءات جديدة قادرة على تقديم أفكار ومقاربات مبتكرة في تدبير الشأن العام.

ويضيف أن تجديد النخب لا ينبغي أن يكون مجرد شعار، بل ممارسة ديمقراطية تتيح للشباب والكفاءات المحلية ولوج المؤسسات المنتخبة على أساس الكفاءة والاستحقاق، بما يعزز الثقة في العمل السياسي ويعيد الاعتبار للمشاركة المواطنة.

وفي السياق ذاته، يعتبر( الصلاي ) أن محاربة الفساد وحماية المال العام تمثلان ركيزة أساسية لأي مشروع تنموي ناجح، مشيراً إلى أن جهود الدولة في تعزيز آليات الرقابة وربط المسؤولية بالمحاسبة يجب أن تتواصل، مع الحرص على ترسيخ ثقافة النزاهة والشفافية داخل مختلف المؤسسات، بما يضمن حسن تدبير الموارد العمومية وتحقيق العدالة في توزيع ثمار التنمية.

وعلى مستوى التنمية، يبرز المتتبعون أن الأقاليم الجنوبية شهدت خلال السنوات الأخيرة طفرة نوعية في حجم الاستثمارات العمومية، شملت مشاريع كبرى في مجالات البنيات التحتية، والطاقات المتجددة، والموانئ، والطرق، والمناطق الصناعية، إضافة إلى المشاريع المرتبطة بالاقتصاد الأزرق والهيدروجين الأخضر، في إطار رؤية تنموية شاملة تستهدف جعل المنطقة مركزاً اقتصادياً يربط المغرب بعمقه الإفريقي.

غير أن ( الصلاي ) يرى أن ضخ الاستثمارات، رغم أهميته، لا يكفي وحده لتحقيق التنمية المنشودة، ما لم يواكبه إشراك فعلي للساكنة في بلورة وتتبع البرامج التنموية، مع تمكين المجتمع المدني من لعب أدواره كشريك في التشخيص والاقتراح والتقييم.

ويؤكد أن التنمية الحقيقية تقوم على الإنسان قبل البنيات، وأن المواطن ينبغي أن يكون محور السياسات العمومية، من خلال فتح فضاءات الحوار، وتعزيز الديمقراطية التشاركية، والاستماع إلى مختلف الفاعلين المحليين، بما يضمن استدامة المشاريع وتحقيق أثرها الاجتماعي والاقتصادي.

كما دعا الأحزاب السياسية إلى تجاوز منطق الاصطفافات الضيقة والخلافات الثانوية، والعمل بروح وطنية مسؤولة تضع قضية الصحراء في صدارة الأولويات، باعتبارها قضية إجماع وطني تتطلب تعبئة مستمرة، وتنسيقاً بين مختلف المؤسسات والهيئات السياسية والمدنية.

وأشار إلى أن المجتمع المدني، بما يملكه من قرب من المواطنين وقدرة على التأطير والترافع، يمثل شريكاً أساسياً في إنجاح النموذج التنموي الجديد، داعياً إلى دعمه وتمكينه من آليات الاشتغال والمساهمة في صياغة الحلول التنموية.

ويجمع عدد من المتابعين على أن نجاح مشروع الحكم الذاتي، باعتباره مبادرة مغربية تحظى بدعم دولي متزايد، لا يرتبط فقط بالأبعاد السياسية والدبلوماسية، بل يتطلب أيضاً نموذجاً تنموياً متكاملاً يقوم على الحكامة الجيدة، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإشراك المواطن في صناعة القرار.

وفي ظل هذه التحولات، تبدو الأقاليم الجنوبية أمام مرحلة جديدة تحمل فرصاً واعدة، لكنها في الوقت نفسه تفرض تحديات تستوجب تجديد النخب، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة، حتى تظل هذه الأقاليم نموذجاً للتنمية والاستقرار، وتجسيداً للرؤية الملكية الرامية إلى بناء مغرب قوي، متضامن، ومتجذر في عمقه الإفريقي.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading