بين جدران الولاء ومنافي التمرّد: المدافع الشرس حين يرتدّ إعصاراً خارج السيطرة

abdelaaziz6منذ ساعتينآخر تحديث :
بين جدران الولاء ومنافي التمرّد: المدافع الشرس حين يرتدّ إعصاراً خارج السيطرة

​ليس هناك ما هو أشدّ إثارة، وأكثر إمعاناً في الصدمة، من رؤية ذاك الذي كان بالأمس القريب يقف كالطود العظيم مدافعاً عن حمى الوطن ومؤسساته، يذود عنها بقلمه وصوته وربما بدمه، وهو ينقلب فجأة ليصبح أشرس معارضيها من وراء البحار. إنها ليست مجرد قصة سياسية عابرة، بل هي دراما إنسانية ونفسية بالغة التعقيد؛ تحوّلٌ يشبه ارتداد السهم إلى صدر راميه، وانفجار البركان الذي كان خامداً تحت وطأة الولاء. فكيف يولد هذا التمرّد الراديكالي؟ هل نحن أمام هندسة ممنهجة لـ “فعل فاعل” دفع بالمرء إلى حافة الانتحار السياسي، أم هو زلزال داخلي وتسونامي من المراجعات الفكرية التي نسفت المبادئ القديمة من جذورها؟
​في الحقيقة، إن هذا التحول الصادم لا يحدث بضربة حظ أو قرار فجائي، بل هو مسار من الانصهار البطيء والضغط المتواصل الذي يبدأ دائماً من نقطة “فائض الحب” وينتهي بنقطة “فائض النقمة”.
​حين نبحث في فرضية “فعل فاعل”، فإننا لا نتحدث بالضرورة عن مؤامرة استخباراتية خارجية، بل نتحدث أولاً عن “فاعل داخلي” قاسي الملامح. إن أشد المعارضين راديكالية في الخارج هم، في الغالب، “ضحايا رومانسيّتهم الوطنية” في الداخل. يبدأ الأمر برجل يمتلك حساً مثالياً مفرطاً تجاه وطنه، يرى المؤسسات بنقاء طفولي، ويعتقد أن دفاعه المستميت يمنحه حصانة معنوية. لكنه، وفي غفلة من وعيه، يصطدم بجدار صلب من الفساد، أو البيروقراطية المقيتة، أو يجد نفسه ضحية لتصفية حسابات ضيقة داخل أروقة النفوذ. هنا تحدث الصدمة الوجودية الأولى: “المنظومة التي حميتها، هي نفسها التي تلتهمُني الآن”. هذه الخيبة الشخصية لا تمر بسلام؛ إنها تترك جرحاً غائراً في الكبرياء، وحين تتبعها الآلة التقليدية لبعض الأجهزة بالإقصاء، والتخوين، وشيطنة كل نقد إصلاحي، يُدفع هذا الشخص دفعاً نحو الحافة. يُسد في وجهه الأفق، فيتحول الهروب إلى الخارج إلى مسألة “حياة أو موت”. في تلك اللحظة، يتكفل الفاعل الخارجي بالباقي؛ حيث تتلقفه مناخات الغربة، ومراكز القوى، ومنصات الإعلام المتربصة، التي تجد فيه صيداً ثميناً: “ابن المنظومة الذي كفر بها”.
​وهنا تحديداً، يتقاطع “فعل الفاعل” مع “انقلاب المبادئ وعاصفة الوعي الجديد”. بمجرد أن تطأ قدم هذا المهاجر أرض الغربة، ويتحرر من ثقل الخوف ومقص الرقيب الذاتي، يحدث له ما يشبه “الانفجار النيتروني” في الوعي. الحرية المطلقة في الفضاءات المفتوحة تجعله يعيد قراءة تاريخه الشخصي وتاريخ بلده بعيون مغايرة تماماً. يكتشف أن “المبادئ” التي كان يدافع عنها لم تتغير، بل إن “تعريفاته” لها هي التي نسفتها الغربة. ينضج في عقله فصل حاسم وجراحي بين “الوطن” كتراب وشعب وهُوية، وبين “السلطة” كأدوات وشخوص وسياسات. يرى في قناعته الجديدة أن معارضته الشرسة والعنيفة من الخارج ليست خيانة، بل هي “الوجه الأسمى للدفاع عن الوطن الحقيقي” الذي يراه مختطفاً.
​بيد أن المأساة الحقيقية في هذا التحول، والجانب الأكثر إثارة للريبة، هو أن النبرة حين تصبح “خارج السيطرة” تفقد غالباً بوصلتها الوطنية المجردة. فالمعارض في الخارج، وتحت وطأة الرغبة العارمة في الانتقام لكرامته المهدورة، واستجابة لدفء الحاضنات الجديدة (التي لا تقدم الدعم مجاناً في عالم السياسة)، يبدأ بتجاوز خطوط الإصلاح إلى خطوط الهدم. يتحول خطابه تدريجياً من نقد السياسات إلى استهداف رمزية الدولة وكيانها، مدفوعاً بـ “سيكولوجية الضحية” التي ترى كل شيء في الداخل مظلماً وميؤوساً منه.
​إن التحول من مدافع إلى معارض راديكالي هو قصة “الولاء الذي تحول إلى رماد، والرماد الذي تطاير إعصاراً”. إنه ليس مجرد تغير في المبادئ، بل هو تشويه سيكولوجي واجتماعي تصنعه بيئات الإقصاء والتخوين في الداخل، وتغذيه صالونات الاستثمار السياسي في الخارج. فالوطن الذي لا يتسع لأبنائه وهم يناصحونه بغيرة، سيضطر عاجلاً أم آجلاً لمواجهتهم وهم يصارعونه بشراسة من وراء البحار، بعد أن تحولوا من دروع تحميه إلى خناجر تطعن في خاصرته.
​هل ترى أن الحاضنات الخارجية تنجح دائماً في احتواء هذه الأصوات، أم أن المعارض يجد نفسه في النهاية غريباً عن الداخل ومنبوذاً في الخارج؟

بقلم:وهيبة الوردي


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading