ديناميات الهامش والمركز: سوسيولوجيا اللجوء السياسي لعبد الإله بنكيران إلى المغرب العميق

abdelaaziz6منذ ساعتينآخر تحديث :
ديناميات الهامش والمركز: سوسيولوجيا اللجوء السياسي لعبد الإله بنكيران إلى المغرب العميق

تُشكل الجغرافيا السياسية في المغرب مختبراً غنياً لفهم سلوك النخب والأحزاب في تدبير أزماتها وامتداداتها الجماهيرية. وفي هذا السياق، تبرز ظاهرة لجوء الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، إلى الأقاليم النائية والمراكز شبه القروية كلما اشتدت الضغوط السياسية أو التنظيمية على الحزب، كإستراتيجية تواصلية وميدانية مدروسة تتجاوز مجرد العمل الحزبي الروتيني، لتكشف عن رغبة واضحة في إعادة تموقع الحزب واسترداد عافيته السياسية من خلال الهامش عندما يضيق به المركز.

​إن تفكيك هذه الخلفيات يتطلب أولاً فهم طبيعة الحاضنة السوسيو-ثقافية للمدن شبه القروية والمناطق النامية، والتي تمتاز ببنية اجتماعية يغلب عليها الطابع المحافظ والارتباط الرمزي بالقيم المشتركة؛ وهو ما يجعلها بيئة مثالية لاستقبال خطاب بنكيران القائم على المرجعية الإسلامية واستدعاء الثقافة الشعبية، بخلاف الحواضر الكبرى التي باتت تتبنى عقلية تصويتية براغماتية ومحاسبية تحاكم الفاعلين بناءً على مخرجات السياسات العمومية والأرقام الاقتصادية ونسب التشغيل. في هذا الفضاء الهامشي، يجد أمين عام “المصباح” فضاءً رحباً لإعادة بناء سردية “المظلومية السياسية” والاستهداف التي لطالما شكلت وقوداً لتعبئة قواعده، مستغلاً المسافة الجغرافية التي عزلَت هذه المناطق نسبياً عن الاحتكاك المباشر بالقرارات الحكومية القاسية التي اتخذها الحزب إبان قيادته للجهاز التنفيذي، مثل ملفات التقاعد والمقاصة والتعاقد، والتي أحدثت نوعاً من الممانعة والوعي النقدي الشرس ضده في المدن الكبرى.

​من جهة أخرى، تحقق هذه الزيارات نوعاً من “التعويض الرمزي” لساكنة الأقاليم البعيدة التي تعاني تاريخياً من التهميش من قِبل النخب التكنوقراطية والمركزية، حيث يُسهم نزول شخصية بكاريزما بنكيران وطبيعة خطابه التواصلي في إشعار هذه الفئات بالاعتبار والتقدير، وهو ما يُترجم سياسياً إلى التفاف جماهيري فوري وتضامن وجداني يعيد تقديم الحزب في مظهر التنظيم الحي والقادر على الحشد والتعبئة. هذا الحضور الجماهيري في الهامش يُوظف كرسالة سياسية متعددة الأبعاد والاتجاهات؛ فهو داخلياً يُعيد الثقة للقواعد الحزبية المحبطة بعد نكسة التراجع الانتخابي، وخارجياً يبعث بإشارات مشفرة لخصوم الحزب ولصناع القرار تفيد بأن الشرعية الشعبية للحزب لم تتآكل بالكامل، وأن خزانه البشري لا يزال ممتداً في عمق التراب الوطني.

​وفي نهاية المطاف، يمثل هذا الهروب الذكي من المركز نحو المغرب العميق نقلاً جراحياً لملعب النقاش السياسي؛ إذ ينجح بنكيران في نقل المواجهة من حقل “السياسات التدبيرية والمادية” الحارق، والذي يقف فيه الحزب في موقع ضعف بسبب حصيلته السابقة وموقعه المعارض الحالي، إلى حقل “القيم والأخلاق والنزاهة السياسية” حيث يسهل الحديث عن طهرانية المبادئ ونظافة اليد والوفاء لمؤسسات الدولة. إنها باختصار عملية “إعادة شحن للبطارية الرمزية”، وإدراك عميق بأن البقاء السياسي لحزب العدالة والتنمية في مراحل انكساره لا يمر عبر الصدام في العواصم، بل عبر تحصين القلاع الخلفية في مغرب الهامش، باعتباره ورقة ضغط قوية وصالحة للاستثمار في كل زمان ومحطة سياسية.

بقلم :وهيبة الوردي


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading