بوشعيب نجار
تشهد العلاقات المغربية–الفرنسية، منذ سنوات، توترا متناميا تغذيه بعض الأوساط الإعلامية والسياسية في باريس، التي دأبت على استهداف رمزية جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، عبر حملات مشبوهة تتخذ طابع “التحقيقات الصحافية” أو الآراء الحرة، بينما هي في جوهرها أدوات ضغط سياسي وإيديولوجي تحاول عبثا المساس بشرعية المؤسسة الملكية، التي تشكل صمام أمان الأمة المغربية.
هذه الحملات ليست معزولة عن سياقها التاريخي، بل هي امتداد لذهنيات استعمارية قديمة لم تستوعب بعد أن المغرب تحرر فعليًا من الوصاية الفرنسية، وأن إرادته السياسية اليوم مستقلة، وسيادته غير قابلة للمساومة.
منذ استقلال المغرب سنة 1956، ظلت فرنسا تنظر إليه باعتباره “منطقة نفوذ طبيعي”، تحاول من خلالها الحفاظ على حضورها الاقتصادي والثقافي في شمال إفريقيا. غير أن التحولات التي قادها جلالة الملك محمد السادس منذ مطلع الألفية الثالثة، من تنويع الشراكات الاستراتيجية إلى الانفتاح على العمق الإفريقي والأطلسي، مرورا بإعادة التوازن في العلاقات مع القوى الكبرى، أحدثت تحولا جذريا في موقع المغرب، من تابع إلى فاعل مستقل ومؤثر.
هذا التحول الاستراتيجي أزعج باريس، التي وجدت نفسها تفقد تدريجيا مكانتها التقليدية في المغرب لصالح شركاء جدد، من قبيل الصين وبريطانيا والولايات المتحدة ودول الخليج. ومن هنا، برزت محاولات متكررة لتقويض صورة المملكة وملكها عبر ما يسمى بـ”الصحافة الاستقصائية الفرنسية”، التي تحولت في كثير من الحالات، إلى ذراع ناعمة لنفوذ سياسي آخذ في التراجع.
إن المتابع لهذه الحملات يلاحظ أنها لا تستهدف السياسات العامة فقط، بل تتعمد شخصنة الهجوم من خلال استهداف الملك محمد السادس نفسه، في تجاوز واضح للأعراف الدبلوماسية وقواعد الاحترام المتبادل بين الدول. غير أن هذا التوجه يكشف، في العمق، عن فشل في قراءة خصوصية النموذج المغربي، حيث لا يمكن فصل الدولة عن رمزها، ولا الشعب عن ملكه، لأن العلاقة بين العرش والشعب ليست عقدا سياسيا عابرا ، بل ميثاق بيعة روحية وتاريخية متجذرة في وجدان الأمة منذ قرون.
فالمؤسسة الملكية، بما تمثله من شرعية دينية قائمة على إمارة المؤمنين، وشرعية تاريخية متصلة بسلالة عريقة، تشكل الركيزة الأساسية للاستقرار والهوية المغربية. ومن ثم فإن أي محاولة للنيل من هذه الشرعية لا تُعد سوى مساس مباشر بسيادة المغرب ووحدته الترابية والرمزية.
لقد سبق لفرنسا أن جربت في ثلاثينيات القرن الماضي أسلوبا مشابها، عندما أصدرت ما عُرف بالظهير البربري سنة 1930، في محاولة لشق الصف المغربي على أسس عرقية وثقافية، وضرب وحدة الأمة حول الملك والبيعة الشرعية. لكن النتيجة جاءت عكسية تمامًا، إذ أشعل ذلك الظهير نار المقاومة الوطنية، ووحّد المغاربة بمختلف انتماءاتهم خلف شعار واحد:
“اللهم إن هذا منكر”.
ومن رحم تلك المقاومة ولد الوعي الوطني الحديث، الذي مهد لثورة الملك والشعب، ثم للاستقلال سنة 1956. واليوم، حين تحاول بعض المنابر الفرنسية إعادة إنتاج المنطق ذاته عبر الاستفزاز الإعلامي والمساس برمزية الملك، فإنها تكرر الخطأ نفسه، القائم على الاعتقاد بأن المغرب يمكن أن ينقسم أو يتراجع في ولائه للعرش. غير أن الواقع يثبت أن المغاربة، كلما استهدف ملكهم، ازدادوا تمسكا به.
لقد استطاع جلالة الملك محمد السادس أن يُجسد مرحلة جديدة في تاريخ الدولة المغربية، قوامها الاستقلال الاستراتيجي والحداثة المتجذرة في الأصالة. وتحت قيادته، أصبح المغرب فاعلا دوليا وازنا في القضايا الإفريقية والمتوسطية والأطلسية، وشريكا محوريًا في ملفات الأمن والهجرة والطاقات المتجددة. هذا الحضور جعل بعض القوى الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا، تشعر بأن المغرب لم يعد ذلك “الجار الصغير” القابل للتوجيه بالإملاءات أو الابتزاز الإعلامي.
إن ما ينبغي أن تدركه فرنسا، بمؤسساتها السياسية والإعلامية، هو أن الملك محمد السادس ليس مجرد رئيس دولة، بل رمز لوحدة روحية وتاريخية لشعبٍ بأكمله. وأن أي مساس بشخصه الكريم لا يُضعف موقعه، بل يعزّز الالتفاف الشعبي حوله، تماما كما حدث في محطات مفصلية من تاريخ المغرب.
لقد تغيّر المغرب، وآن الأوان لإدراك أن زمن الوصاية قد انتهى، وأن العلاقات المتوازنة لا تُبنى إلا على الاحترام المتبادل، والندية، وصون السيادة الوطنية.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

