*الدكتور المصطفى قاسمي*
استاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري *
رئيس مؤسسة القاسمي للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية.
عرفت الدولة الحديثة منذ القرن التاسع عشر تبلور نموذجها القانوني المؤسسي القائم على مبدأ سيادة القانون وخضوع السلطة للقواعد القانونية. وقد ارتبطت شرعية الدولة بمدى احترامها لمقتضيات الدستور والحقوق الأساسية، بينما ارتبطت فعاليتها بقدرتها على تنفيذ القانون وضمان المصلحة العامة.
غير أنّ التطورات التي شهدها العالم منذ أواخر القرن العشرين — من العولمة المالية إلى الثورة الرقمية — أفرزت واقعًا جديدًا أصبحت فيه الشبكات العابرة للمؤسسات والدول فاعلًا حقيقيًا في القرار السياسي والاقتصادي، مما أعاد طرح السؤال الجوهري:
هل ما زالت دولة القانون تمتلك الشرعية والفعالية في زمن تتحكم فيه شبكات المصالح؟
*أولًا: مفهوم دولة القانون ومرتكزات شرعيتها*
1. دولة القانون كإطار للشرعية الحديثة
يقوم مفهوم دولة القانون (État de droit) على ثلاث ركائز رئيسية:
• خضوع الدولة بجميع مكوناتها للقانون؛
• استقلال القضاء وفصل السلط؛
• حماية الحقوق والحريات الفردية.
هذه المبادئ، كما صاغها هانس كلسن (Hans Kelsen) في نظريته الخالصة للقانون، تجعل من القانون نظامًا هرمياً من القواعد تنتهي في قمتها إلى الدستور باعتباره التعبير الأسمى عن الإرادة العامة.
2. الشرعية القانونية والشرعية الديمقراطية
وفق ماكس فيبر، تستمد الدولة الحديثة شرعيتها من القانون والعقلانية الإجرائية، بخلاف الشرعية التقليدية أو الكاريزمية.
لكن هذه الشرعية القانونية تتطلب دومًا مصداقية أخلاقية وفعالية مؤسساتية؛ فإذا تحولت القواعد إلى أدوات شكلية دون مضمون عادل، تآكلت الشرعية من الداخل.
*ثانيًا: حدود فعالية دولة القانون في الأنظمة السياسية المعاصرة*
1. أزمة التطبيق لا النص
تعاني كثير من الأنظمة، حتى الديمقراطية منها، من تفاوت صارخ بين النص والممارسة.
فالقانون موجود، لكن تنفيذه يخضع لمنطق المصلحة والولاء لا لمنطق المساواة والحق.
وهذا ما يسميه بيار بورديو “العنف الرمزي للقانون”، حيث تُستعمل الشرعية القانونية لتبرير اختلالات القوة بدل تصحيحها.
2. توسّع الدولة وتراجع السيادة
العولمة والاعتماد المتبادل جعلا الدولة الحديثة تتنازل عن جزء من سيادتها لصالح الأسواق والمؤسسات المالية العالمية.
وهكذا أصبحت فعالية دولة القانون محدودة أمام تدفقات رأس المال والمعلومة التي لا تعترف بحدود القانون الوطني.
3. ضغط المصالح الخاصة
في ظل تزايد نفوذ اللوبيات الاقتصادية وشبكات الضغط الإعلامي والتكنولوجي، لم تعد القرارات العمومية تعبيرًا عن الإرادة العامة بل عن توازنات مصالح تُدار خارج الفضاء الديمقراطي.
وهنا تفقد دولة القانون فعاليتها كأداة لتنظيم السلطة، لتتحول إلى واجهة شكلية تُخفي شبكة النفوذ.
**ثالثًا: من دولة قانون إلى دولة شبكات المصالح **
1. منطق الشبكة
يقدّم مانويل كاستيلز (Manuel Castells) مفهومًا تحليليًا جديدًا في كتابه The Network Society (1996)؛ إذ لم تعد السلطة متمركزة في هرم الدولة، بل موزعة عبر مصالح متداخلة من الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين والإعلاميين.
في هذا النمط، لا يُمارس النفوذ بالقانون بل بـ الاتصال، والمعلومة، والمال.
2. الدولة كوسيط لا كسلطة
لم تعد الدولة الحديثة مركز القرار، بل صارت وسيطًا بين شبكات مصالح متنافسة.
وهذا ما يجعل فعالية القانون رهينة بتوازن القوى داخل هذه الشبكات، لا بمبدأ المساواة أمام القانون .
*رابعًا: أزمة الشرعية في زمن الشبكات*
1. الشرعية القانونية مقابل الشرعية التواصلية
يرى يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) أن الشرعية لم تعد تُبنى فقط على احترام القانون، بل على التواصل والمشاركة في صنع القرار.
غير أن أنظمة الشبكة تحدّ من هذا التواصل عبر احتكار المعلومة وإقصاء الفاعلين الضعفاء من دوائر التأثير.
2. الشرعية التقنية الجديدة
تسعى النخب الجديدة إلى تبرير نفوذها لا عبر القانون، بل عبر الخبرة التقنية والابتكار التكنولوجي، أي ما يسميه هابرماس بـ”العقل الأداتي” (Rationalité instrumentale).
في هذه البيئة، تتحول السياسة إلى إدارة تقنية، ويُختزل المواطن إلى “مستهلك قرار” بدل “فاعل سياسي”.
*خامسًا: نحو إعادة تعريف الشرعية والفعالية*
1. الشرعية الجديدة يجب أن تقوم على الشفافية والمساءلة الشبكية، أي قدرة الدولة على إخضاع الفاعلين غير الرسميين (الشركات، المنصات، اللوبيات) لرقابة قانونية وأخلاقية.
2. الفعالية الجديدة ينبغي أن تُقاس بقدرة الدولة على حماية المجال العام من تدخل المصالح الخاصة، لا فقط بقدرتها على سنّ القوانين.
3. إن استعادة دور دولة القانون يتطلب دمقرطة المعلومة وتوسيع المشاركة الرقمية في اتخاذ القرار.
إنّ التحول من منطق القانون إلى منطق شبكة المصالح لا يعني نهاية دولة القانون ، بل نهاية احتكارها للشرعية والسلطة.
لقد أصبحت الشرعية اليوم متعددة المصادر، موزعة بين القانون، السوق، والإعلام، بينما صارت الفعالية تقاس بمدى التكيّف مع شبكات النفوذ أكثر من احترام النصوص القانونية.
تواجه دولة القانون تحديًا وجوديًا:
إما أن تتجدد عبر آليات الرقابة الرقمية والشفافية الشبكية،
أو أن تتآكل لتصبح مجرد غلاف قانوني لشبكة مصالح غير مرئية خفية .
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

