محمد أناصر (محام بهيئة مراكش)
في زمنٍ يُراد فيه للعدالة أن تمشي وحيدة، عرجاء، بلا عكّازٍ ولا رفيق، يُطلب من المواطن أن يدخل محراب القضاء أعزلَ من السند، مجردًا من اللغة التي تفهمها المحاكم، ومن الحصانة التي لا يمنحها إلا المحامي. وكأن التقاضي فعلُ شجاعة فردية، لا ميزانَ له ولا ضفاف، بينما هو في الحقيقة بحرٌ متلاطم، من دخله دون دليلٍ غرق، ولو كان صاحب حق.
المحامي ليس زينةً إجرائية ولا تفصيلاً زائدًا في هامش الدعوى، بل هو ابنُ هذا المجتمع حين يطالب بحقه، وصوتُه حين يختنق، وذاك العقل البارد الذي يحوّل الألم إلى حجة، والغضب إلى نص، والحق الغامض إلى حكمٍ مكتوب. ملايين الحقوق لم تُسترد بالدموع ولا بالنيات الحسنة، بل انتُزعت انتزاعًا، سطرًا سطرًا، ومرافعةً مرافعة، على أكتاف محامين آمنوا أن العدالة لا تُوهب، بل تُنتزع.
أما التقاضي دون محامٍ، فليس بساطةً كما يُسوَّق له، بل هو مجزرة صامتة؛ مجزرة تُرتكب بلا صراخ، تُذبح فيها الحقوق على موائد الشكل، وتُدفن الوقائع تحت ركام المساطر، ويخرج صاحب الحق منها حيًّا جسدًا، ميتًا قانونًا. هناك، داخل القاعات الباردة، لا ينتصر من يملك الحق، بل من يعرف كيف يُنطقه.
وحين يضرب المحامون اليوم، فإنهم لا يغلقون أبواب العدالة، بل يطرقونها بعنفٍ أخير قبل أن تُغلق إلى الأبد. إضرابهم ليس دفاعًا عن جيب، ولا تشبثًا بامتياز، بل مقاومة تشريعات تُفرغ المهنة من روحها، وتُحوّل المحامي من شريك في إقامة العدل إلى شاهدٍ صامت على هدمه. إن المساس باستقلال المحامي ليس شأناً مهنياً ضيقًا، بل هو كسرٌ خفيّ لعمودٍ من أعمدة المحاكمة العادلة.
فالعدالة التي يُراد لها أن تقوم بلا محامٍ حرّ، هي عدالة بعينٍ واحدة، ترى السلطة ولا ترى المواطن، تسمع النص ولا تسمع الإنسان. وحين يُكبَّل الدفاع، يصبح الحكم ناطقًا باسم القانون، صامتًا عن الحق.
الدفاع عن المحاماة، في جوهره، دفاع عن ذلك المواطن البسيط الذي لا يعرف الفرق بين الدفع الشكلي والموضوعي، ولا بين السقوط والتقادم، لكنه يعرف جيدًا معنى الظلم. دفاع عن وهمٍ جميل اسمه المحاكمة العادلة، إن سُحبت منه ضماناته، صار وهمًا بلا حتى وهم.
ولعل أخطر ما يمكن أن نخسره ليس امتيازات مهنة، بل آخر خيطٍ يربط العدالة بالإنسان. فحين يسقط المحامي، لا ينتصر أحد… بل يسقط الجميع
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



