abdelaaziz6منذ 57 دقيقةآخر تحديث :

وهيبة وردي
​من يملك في ذاكرته عبق مدينة “وادي زم” الشامخة، لا بد وأن ينحني إجلالاً لاسمٍ حُفر في وجدان قاعاتها ومحاكمها بمدادٍ من نزاهة وعطف؛ الاسم الذي يتردد على ألسنة النساء المظلومات كدرع حامٍ، وفي قلوب الأطفال المتخلى عنهم كحضنٍ دافئ وأمٍ لم تلد. إنها الأستاذة فاطمة صبري، نائبة جلالة الملك التي جعلت من محراب المحكمة الابتدائية بوادي زم منبراً لإحقاق الحق، وعنواناً ليدٍ نظيفة لا تلوى، وقرارات حكيمة لا تهتز تحت وطأة الضغوط أو حسابات المسؤولين. هكذا عرفها الناس: امرأة مغربية حرة، تقلدت الأمانة بصدق ودافعت عن استقلالية القضاء بوجدانها قبل نصوص القانون.
​لكن هذه القاضية الاستثنائية، التي لم ترضَ يوماً بحدود العطاء المهني، قررت أن تبرهن للعالم أن الصبر والمثابرة هما وقود الريادة النسائية المغربية. ففي لحظة تلاقت فيها هيبة البدلة القضائية بجلال البحث العلمي، شهدت رحاب كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، التابعة لجامعة عبد المالك السعدي، يوم الجمعة 26 يونيو 2026، لحظة فارقة توجت مساراً طويلاً من السهر والجد.
​هناك، وقفت المستشارة بمحكمة الاستئناف ببني ملال، الدكتورة فاطمة صبري، لتناقش أطروحتها لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام، تحت عنوان يلامس في الصميم أركان الحكامة الوطنية: “الرقابة على المال العام وأثرها في حسن تدبير المرافق العمومية: ميزانية الجماعات الترابية نموذجاً”.
​لم تكن تلك المناقشة مجرد طقس أكاديمي يضاف إلى السيرة الذاتية، بل كانت فصلاً من ملحمة كفاح صامتة خاضتها امرأة آمنت بأن القضاء بحاجة دائمة إلى سند متين من عمق البحث العلمي. فالباحثة التي راكمت تجربة قضائية مشهودة في محكمة الاستئناف بخريبكة، قبل أن تواصل رحلة البذل مستشارةً بمحكمة الاستئناف ببني ملال، صاغت من تجربتها العملية دليلاً حياً ومقترحات عملية لإصلاح منظومة الرقابة المالية بالمغرب.
​وتحت إشراف الأستاذ الدكتور عبد اللطيف الشدادي، وبحضور لجنة علمية رفيعة المستوى، لم تكتفِ الدكتورة صبري بسرد النصوص الجافة، بل غاصت بجرأة الممارس الميداني وحكمة القاضي لتشخيص الثغرات في ميزانيات الجماعات الترابية، مقدمةً حلولاً حقيقية لترشيد الإنفاق وتكريس المبدأ الدستوري الخالد “ربط المسؤولية بالمحاسبة”.
​لقد توجت اللجنة العلمية هذا المسار المتفرد بقرارها الإجماعي منح الباحثة شهادة الدكتوراه بميزة “مشرف جداً”، وسط تصفيقات حارة امتلأت بها القاعة فخراً واعتزازاً، وبحضور وازن لكبار القضاة والأساتذة والزملاء الذين رأوا فيها نموذجاً مشرفاً لرئاسة النيابة العامة وللقضاء المغربي قاطبة.
​إن قصة الدكتورة فاطمة صبري هي قصة صبر لا ينضب وجد لا يعرف الفتور. هي الرسالة البليغة التي تؤكد أن حراسة المال العام وصيانة العدالة في المغرب توكل لعقول نيرة وسواعد معطاءة، وأن المرأة المغربية حين تجمع بين نبل الموقف الإنساني في نصرة المظلوم، وقوة الكفاءة الأكاديمية في معالجة كبرى قضايا الوطن، فإنها تظل بحق منارة تضيء دروب الإصلاح والتنمية لجيل بأكمله.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading