بقلم ذ:وهيبة وردي
من خلف الستائر المخملية للقمم العربية، وتحت سقف بيانات “التاريخ المشترك والمصير الواحد”، تدور رحى واحدة من أعقد المعارك الجيوسياسية في المنطقة. إنها ليست معركة دبابات أو ترسيم حدود، بل هي حرب شرعيات، وتصادم نماذج حكم، وصراع مرير على النفوذ والريادة بين الرباط والقاهرة. كل هجوم إعلامي من فلك الإعلام المصري، وكل رد مغربي حازم، ليس سوى جبل الجليد الذي يخفي تحته تضاريس وعرة من التنافس الصامت والمكتوم.
لفهم هذا الكباش بعيداً عن الكليشيهات والخطابات الجاهزة، علينا أن نعود بالزمن إلى الجذور، حيث تشكلت “العقدة التاريخية”.
عقدة الستينيات: من فيلق أكتوبر إلى رمال الصحراء
تاريخياً، قسّمت القواعد غير المكتوبة الأدوار في المنطقة: مصر قائدة الشرق، والمغرب حارس الغرب الإسلامي وعمقه الإفريقي. لكن صعود المد القومي الناصري والفكر البعثي في الخمسينيات والستينيات كسر هذه المعادلة. حاولت القاهرة تصدير نموذج “الجمهوريات الاشتراكية” وإزاحة الأنظمة الملكية، وهو ما تجلى بشكل صارخ وصدامي في حرب الرمال عام 1963.
آنذاك، اختار جمال عبد الناصر الانحياز الأعمى للجزائر حديثة الاستقلال ضد المغرب، مرسلاً جنوداً وضباطاً مصريين إلى الميدان. لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن المصرية؛ إذ اصطدم هذا التمدد بجيش مغربي صلب، وانتهت المغامرة بوقوع ثلة من الضباط المصريين في الأسر، وكان من بينهم طيار شاب يدعى حسني مبارك.
هذا الشرخ التاريخي أسس لعقيدة من التوجس الدائم في دوائر القرار بالقاهرة. عقيدةٌ تُرجمت في عهد مبارك اللاحق إلى استراتيجية “اللعب على الحبلين”؛ حيث كانت القاهرة، في سياسة ابتزاز صامتة، تفتح أبوابها لوفود جبهة “البوليساريو” الانفصالية تحت غطاء المؤتمرات البرلمانية، وتستخدم ملف الصحراء كـورقة ضغط لفرملة أي تمدد مغربي، قبل أن تعود لإعلان دعمها البروتوكولي للوحدة الترابية في اللقاءات الرسمية.
الاستقرار الملكي المزعج وإخفاق “الجمهوريات الصوتية”
إن الجرح الحقيقي الذي ينزف في العلاقات الراهنة ويتسبب في كل هذا التشويش الإعلامي الممنهج، هو صراع الشرعية والوجود بين فلسفتين متناقضتين للحكم برزتا بقوة بعد عام 2011:
استطاع المغرب تفكيك أمواج “الربيع العربي” برؤية ملكية استباقية مرنة. تمت صياغة دستور جديد وقاد قطاراً تنموياً متسارعاً، ليتحول إلى قطب صناعي ولوجستي أول في إفريقيا – من صناعة السيارات والطائرات إلى ميناء طنجة المتوسط وشبكات القطار فائق السرعة. هذا الصعود الصامت والمستقر، في بلد لا يعتمد على آبار النفط والغاز، خلق حالة من الغيرة المؤسساتية والمقارنة المزعجة جداً للنظام في مصر.
فالقاهرة، التي ترزح تحت وطأة أزمات اقتصادية طاحنة وتضخم هيكلي ومستويات دين قياسية رغم المساعدات المليارية، يزعجها جداً نجاح نموذج ملكي تُصنفه النخب العسكرية تقليدياً كـ”نظام محافظ”. هذا النجاح المغربي التنموي يُعري بوضوح الإخفاق الإداري لـ”الجمهوريات الصوتية” التي تستمد شرعيتها من وهم الديمقراطية عبر انتخابات رئاسية صورية معدة سلفاً بنسب نجاح كاسحة ومكررة.
الذكاء الدستوري في مواجهة فوبيا الاستئصال
تجلت هذه الفجوة في أوضح صورها في طريقة التعامل مع الإسلام السياسي. ففي الوقت الذي دخلت فيه مصر نفق الاستئصال الأمني والشيطنة الشاملة لجماعة الإخوان المسلمين بعد يوليو 2013، قدم المغرب نموذجاً ناضجاً للاستيعاب السياسي. استوعبت اللعبة السياسية والمؤسساتية (تحت مظلة “إمارة المؤمنين”) حزب العدالة والتنمية، فمنحته فرصة قيادة الحكومة لعقد كامل. وحين أثبت عجزه التنموي والاقتصادي، تكفل الناخب المغربي بإسقاطه في صناديق الاقتراع بشكل ديمقراطي سلس، دون إطلاق رصاصة واحدة أو تنظيم محاكمات استثنائية.
هذا الذكاء المؤسساتي أثار “فوبيا” حقيقية في القاهرة؛ لأن التجربة المغربية ضربت في مقتل السردية المصرية القائمة على حتمية “القبضة الحديدية” للتعامل مع المعارضة.
النفاق الاستراتيجي: استغلال ورقة التطبيع لاصطناع البطولات
ومع توالي الإنجازات الدبلوماسية المغربية، وتحديداً بعد توقيع الاتفاق الثلاثي (المغربي-الأمريكي-الإسرائيلي)، وجد الإعلام المصري الموجه ضالته في ورقة “التطبيع” كمادة دسمة لمحاولة تشويه صورة المغرب وتأليب الرأي العام وتصوير القاهرة وكأنها “حامية حمى القومية العربية”.
وهنا تبرز قمة المفارقة، أو بالأحرى النفاق السياسي؛ فمصر هي الدولة العربية الأولى التي شرعنت التطبيع الكامل وكسرت المحرمات بتوقيع اتفاقية “كامب ديفيد” عام 1979، محتفظة بعلاقات دبلوماسية واقتصادية وأمنية واطيدة مع إسرائيل منذ عقود. إن هذا الاستغلال الإعلامي الرخيص لخطوة دبلوماسية مغربية براغماتية (جاءت لانتزاع اعتراف تاريخي بمغربية الصحراء مع التزام ثابت بحقوق الفلسطينيين)، ليس سوى محاولة يائسة لكسب تعاطف شعبي وهمي، وللتغطية على تراجع الدور الإقليمي المصري وتقلص نفوذها في ملفات المنطقة.
الصدمات الجيوسياسية: عندما فرض المغرب “الندية المطلقة”
في السنوات الأخيرة، وتحديداً مع تبني المغرب لدبلوماسية هجومية قائمة على الشفافية والندية، تحول الكباش الصامت إلى مواجهات صريحة أربكت حسابات القاهرة:
صدمة 2014 ورد الصاع صاعين: عندما تجاوز الإعلام المصري خطوطه الحمراء وبدأ بالمساس بالرموز والمجتمع المغربي، جاء الرد المغربي مزلزلاً وغير متوقع. فتحت القناتان الرسميتان (الأولى و2M) نيرانها، ووصفت في تقارير إخبارية مفاجئة ما حدث في مصر بأنه “انقلاب عسكري على الشرعية الديمقراطية” وصفت الرئيس السيسي بـ”قائد الانقلاب”. كانت هذه الرسالة المشهدية بالغة القسوة والوضوح: “الرباط تمتلك من الأوراق السياسية والإعلامية ما يكفي لنسف شرعية النظام المصري في الداخل والخارج”، وهو ما أجبر القاهرة على ابتلاع الإهانة وتقديم اعتذارات سريعة وتكميم أبواقها فوراً.
الاختراق القاري وسحب البساط الليبي: زاد التوتر حين نجحت الدبلوماسية المغربية في احتضان “اتفاق الصخيرات” وحوارات بوزنيقة، محولة المملكة إلى الوجهة الموثوقة للفرقاء الليبيين. اعتبرت القاهرة ذلك تدخلاً في “حديقتها الخلفية” وأمنها القومي. كما أن تمدد المغرب الاقتصادي والدبلوماسي القوي في إفريقيا، ونسجه علاقات مرنة مع دول حوض النيل (مثل إثيوبيا) دون الانصياع الأعمى للإملاءات المصرية في ملفات كسد النهضة، عمّق من عزلة الدبلوماسية المصرية.
التحالفات الجديدة المزعجة: شكل التحالف الاستراتيجي والمالي المتين بين الرباط وأبوظبي، وتجسده في الدعم الإماراتي المطلق لمغربية الصحراء واستثمارات ضخمة متبادلة، صدمة أخرى للدوائر المصرية التي كانت ترى نفسها البوابة الحصرية للقرار والمصالح العربية في إفريقيا.
هندسة “السلام البارد” ولعبة العروش الإقليمية
في نهاية هذا التشريح الجيوسياسي، ندرك أن التشويش الإعلامي المتكرر ليس مجرد زلات لسان عابرة، بل هو أداة ضغط ناعم (Soft Pressure) مقصودة ومحسوبة بدقة؛ تُشعل الأجهزة الأمنية في القاهرة فتيلها كلما شعرت بالدوار من السرعة التنموية للرباط، أو كلما عجزت الدبلوماسية المصرية عن مجاراة الاختراقات المغربية في العمق الإفريقي. هو في جوهره انعكاس لـ”عقدة استعلاء تقليدية” تعيش عليها نخب مشرقية تقليدية، ترفض بعناد استيعاب الحقيقة الصادمة: مغرب اليوم ليس مغرب الأمس، والمملكة فرضت نفسها كقوة إقليمية صاعدة لا تقبل بغير الندية المطلقة والتامة.
إن مآل هذه العلاقات في الأفق المنظور لا يتجه نحو القطيعة الشاملة ولا نحو التحالف الدافئ، بل هو استقرار في نفق “السلام البارد”؛ خطوط حمراء مرسومة بدقة خلف الكواليس، يقابلها بروتوكول مشحون بالابتسامات الدبلوماسية العريضة أمام الكاميرات. لقد كتب المغرب بمداد من الإنجازات السيادية شروطه التي لا تقبل المساومة: احترام الوحدة الترابية والمصالح الاستراتيجية للمملكة هو الممر الإجباري الوحيد لأي تقارب، وبدون ذلك، فإن المخالب الإعلامية والسياسية للرباط جاهزة دائماً للردع وتغيير قواعد اللعبة في أي لحظة.
تبقى الأيام والمحطات القادمة حبلى بالتشويش؛ فكلما تضاربت المصالح الصامتة في أروقة الاتحاد الإفريقي، أو في كواليس طرابلس، أو حول طاولات استثمار غاز المتوسط، سيعود الخط الأخضر للإعلام المصري للتحرك، لتبقى عبارة “العلاقات الأخوية والتاريخية” مجرد قناع أنيق ودافئ، يُغطي تحته كباشاً استراتيجياً شرساً وصامتاً بين نموذج حكم يصنع المستقبل بثبات وعمق، ونموذج آخر يصارع أمواج الواقع للحفاظ على ريادة مفقودة بأوهام الماضي
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



