رئيس الجماعة بين قيادة الإدارة وضمان استقلاليتها

abdelaaziz6منذ 57 دقيقةآخر تحديث :
رئيس الجماعة بين قيادة الإدارة وضمان استقلاليتها

حسون عبدالعالي 

ليست أزمة الحكامة المحلية دائماً في نقص الإمكانيات أو محدودية الاختصاصات، بل كثيراً ما تبدأ من داخل الإدارة نفسها، عندما تتحول السلطة التنظيمية من وسيلة لضمان حسن سير المرافق العمومية إلى أداة لتركيز القرار وإعادة تشكيل موازين النفوذ داخل الجماعة. فالإدارة الجماعية، التي يفترض أن تقوم على مبادئ الحياد والكفاءة والاستمرارية، قد تجد نفسها في بعض الحالات خاضعة لمنطق الشخصنة، بما ينعكس سلباً على الأداء الإداري وجودة الخدمات وثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.

ومن هذا المنطلق، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن تحقيق التوازن بين الصلاحيات الواسعة التي يمنحها القانون لرئيس الجماعة، وبين ضرورة حماية الإدارة من كل ممارسة قد تمس باستقلاليتها وفعاليتها؟

إذا كان النقاش العمومي يركز عادة على الاختلالات المالية أو العمرانية التي تعرفها بعض الجماعات الترابية، فإن جانباً آخر لا يقل أهمية يظل بعيداً عن دائرة الاهتمام، ويتعلق بكيفية ممارسة السلطة التنظيمية داخل الإدارة الجماعية.

فهذه السلطة، التي منحها القانون لرئيس الجماعة بهدف ضمان حسن سير المرافق العمومية، أصبحت في بعض الحالات محوراً لإشكالية أعمق ترتبط بتركيز القرار الإداري وإضعاف التوازنات المؤسساتية التي يفترض أن تؤطر تدبير الشأن المحلي.

لقد قامت فلسفة اللامركزية على أساس توزيع السلطة لا احتكارها، وعلى إرساء حكامة محلية تقوم على التعاون بين الأجهزة المنتخبة والإدارة الترابية.

غير أن الممارسة تكشف أحياناً عن مفارقة لافتة، تتمثل في انتقال الجماعات من مركزية الدولة إلى مركزية الرئيس. فبدل أن تشكل الإدارة الجماعية جهازاً مهنياً مستقلاً نسبياً في تدبير شؤونها اليومية، تصبح في بعض الأحيان رهينة لسلطة القرار الفردي، حيث تتقلص مساحة المبادرة لدى الأطر الإدارية وتتراجع أهمية الخبرة التقنية أمام اعتبارات الولاء والاصطفاف.

ولا يكمن الخطر فقط في القرارات المتعلقة بالتعيين أو الإعفاء أو إعادة الانتشار، بل في الأثر النفسي والمؤسساتي الذي تتركه هذه الممارسات على الإدارة. فحين يدرك الموظف أن مستقبله المهني مرتبط بدرجة القرب من مركز القرار أكثر من ارتباطه بالكفاءة والمردودية، تتراجع ثقافة الأداء لتحل محلها ثقافة الحذر والانتظار.

 وعندما تُهمش الأطر ذات الخبرة بسبب استقلالية رأيها أو تمسكها بتطبيق القانون، تفقد الجماعة جزءاً من ذاكرتها الإدارية ومن قدرتها على ضمان الاستمرارية المؤسساتية.

والأكثر خطورة أن المجلس الجماعي، الذي يفترض أن يمارس دوراً رقابياً وسياسياً على تدبير الشأن المحلي، يجد نفسه في كثير من الأحيان عاجزاً عن مراقبة كيفية ممارسة السلطة التنظيمية داخل الإدارة.

 فالقانون يمنح الرئيس صلاحيات واسعة في مجال التنظيم الإداري، بينما تبقى آليات الرقابة السياسية محدودة التأثير أمام هيمنة الأغلبية أو ضعف النقاش المؤسساتي.

 وهكذا تنشأ منطقة شبه معزولة عن الرقابة الفعلية، تُمارس داخلها السلطة التنظيمية بعيداً عن أي تقييم موضوعي لآثارها على المرفق العام.

أما الأحزاب السياسية، التي يفترض أن تشكل الضامن الأول لثقافة الديمقراطية والحكامة، فإنها غالباً ما تلتزم الصمت أمام هذه الممارسات ما دامت لا تهدد التوازنات السياسية داخل الأغلبية.

 وبدل الدفاع عن مبادئ الاستحقاق والحياد الإداري، تنخرط بعض التنظيمات في منطق تدبير النفوذ، لتصبح الإدارة الجماعية امتداداً للصراع السياسي لا مجالاً لخدمة المصلحة العامة.

وإذا كان القضاء الإداري يشكل ضمانة أساسية لحماية الحقوق والحريات، فإنه يظل في الغالب متدخلاً بعد وقوع الضرر. فالقاضي يراقب مشروعية القرار الإداري، لكنه لا يستطيع معالجة الآثار العميقة التي يتركها سوء استعمال السلطة التنظيمية على المناخ الإداري وعلى فعالية المرفق العام.

لذلك فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في الرقابة القضائية، بل في بناء ثقافة مؤسساتية تجعل من السلطة التنظيمية وظيفة لخدمة الإدارة لا وسيلة للهيمنة عليها.

إن أزمة بعض الجماعات الترابية ليست أزمة نصوص أو اختصاصات، بل أزمة توازن بين السلطة والمسؤولية. فكلما غابت الضوابط السياسية والأخلاقية والمؤسساتية، تحولت السلطة التنظيمية من أداة للحكامة إلى أداة للنفوذ.

 وعندما يصبح النفوذ بديلاً عن المؤسسة، تدخل الإدارة في دائرة الجمود، وتفقد الجماعة قدرتها على استثمار كفاءاتها وتحقيق التنمية التي ينتظرها المواطنون.

لذلك فإن مستقبل الحكامة المحلية لن يتحدد بحجم الصلاحيات المخولة للرؤساء، بل بمدى خضوع ممارستها لمنطق الشفافية والمساءلة واحترام الكفاءة واستقلالية الإدارة.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading