​تكتيك “حافة الهاوية”: لماذا يستعرض بنكيران شجاعته ضد الهمة وأزولاي.. ويسقط في “فقه التقية” أمام لفتيت والمنصوري؟

abdelaaziz6منذ 60 دقيقةآخر تحديث :
​تكتيك “حافة الهاوية”: لماذا يستعرض بنكيران شجاعته ضد الهمة وأزولاي.. ويسقط في “فقه التقية” أمام لفتيت والمنصوري؟

كانت عقارب الساعة السياسية في المغرب تشير إلى ركود خانق، والملل يفرض إيقاعه الثقيل على المشهد العام، حتى قرر عبد الإله بنكيران أن يخرج عن صمته المعتاد ويرمي بحجر ثقيل في بركة راكدة. بجلابيبه المغربية التقليدية ونبرته التي تترجح بين دراما الواعظ وفكاهة الحكواتي الشعبي، اعتلى منصة حزبه ليوجه مدفعية كلامية غير متوقعة، متجاوزاً الحكومة ورئيسها ليصوب نحو قلب المربع الاستشاري للملك: فؤاد عالي الهمة وأندريه أزولاي.

​لم يكن هذا التدفق الكلامي زلة لسان عابرة أو هفوة ارتجالية من رجل أمضى عقوداً في دهاليز السياسة والمناورة؛ بل كانت حركة شطرنج مدروسة بعناية فائقة، خطط لها ثعلب سياسي جريح يسعى لإعادة حزبه، “العدالة والتنمية”، إلى واجهة الأحداث بعد أن كادت أمواج النسيان تطويه إثر نكسة انتخابية قاسية. إنها إستراتيجية “البروز عبر الصدمة”، واعتلاء أكتاف قامات وطنية وازنة لصناعة حدث من لا شيء.

​اختار بنكيران خصومه في هذه المعركة الهلامية بدقة ميكروسكوبية تلعب على أوتار الوجدان الشعبي والمخيال الجماعي لقواعده المحافظة. توجه نحو فؤاد عالي الهمة، ذلك الرجل الذي يمثل في الذاكرة السياسية لـ”المصباح” مهندس الخصم اللدود (حزب الأصالة والمعاصرة) ورمز “التحكم” الذي قارعوه في أوج الربيع العربي، ليعيد إحياء ثنائية “المظلومية والتشويش” التي طالما اقتات عليها الحزب شعبياً. ثم التفت يميناً ليصوب نحو أندريه أزولاي، المستشار الذي يجسد بحمولته الثقافية والرمزية والروحية الدبلوماسية المغربية المنفتحة والتعددية؛ ففي ظل غليان الشارع الإقليمي، وجد بنكيران في هذه القامة الكبيرة فرصة سانحة لدغدغة مشاعر التيار المحافظ، ومحاولة صياغة صك غفران جديد لقواعده عبر الظهور بمظهر حامي حمى الهوية.

​لكن، وخلف هذا الغبار الإعلامي الكثيف والصخب المسترسل، يسقط قناع “الجرأة المطلقة” ليتكشف ما يمكن تسميته بـ”فقه الشجاعة الانتقائية”. فالرأي العام المغربي، الذي يملك حساً نقدياً ذكياً، سرعان ما طرح السؤال الجوهري والمثير: لماذا يتجرأ بنكيران بملء فيه على مستشاري الملك، بينما يبتلع لسانه ويتحول إلى غاية في الانضباط والتوقير، بل والمديح، كلما لمع اسم ياسين المنصوري أو عبد الوافي لفتيت؟

​هنا تظهر الهندسة الحقيقية للخطوط الحمراء في عقل بنكيران البراغماتي. هو يعلم يقيناً الفارق بين “المحيط الاستشاري” الذي يتحمل السجال السياسي العنيف والهجمات الارتدادية دون أن تهتز أركان الدولة، وبين “الأجهزة الصلبة والسيادية” التي يعني الاقتراب منها انتحاراً سياسياً بلا عودة. إن الصمت أمام ياسين المنصوري، الممسك بزمام المخابرات الخارجية (لادج) وملفات الأمن القومي الكبرى كقضية الصحراء المغربية، هو اعتراف صريح بأن هناك مربعات أمنية عليا لا تحتمل التهريج الحزبي ولا تقبل اللعب بموازينها. والمهادنة مع عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية الممسك بالخريطة الترابية والانتخابية والقبضة الإدارية الصارمة، هي حذر غريزي من الصدام مع “أم الوزارات” التي تملك القدرة على خنق الحركات الحزبية تنظيمياً وقانونياً في صمت مطبق ودون أدنى جلبة.

​في نهاية المطاف، تبدو خرجة بنكيران الأخيرة كقصة مسترسلة من “الذكاء اليائس”؛ مناورة تدرك حدود اللعبة بدقة ميزان الصيدلي، تهاجم من تشاء وتصمت عمن تشاء وفق حسابات الربح والخسارة الإعلامية. لقد نجح الرجل في تصدر “التريند” وإشعال الحماس المؤقت في عروق أنصاره المحبطين، لكنه في الوقت نفسه قدم للمراقبين دليلاً جديداً على أن خطابه لا يعدو كون معارك “طواحين هواء” كلامية، تُطعم الرأي العام صخباً في الوقت الذي يتطلع فيه الشارع إلى حلول حقيقية لقدرته الشرائية وأزماته الاقتصادية، ليبقى السؤال معلقاً في أروقة السياسة المغربية: إلى أي حد يمكن للخطابة أن تسد جوع برامج سياسية غائبة؟

ذ/وهيبة وردي


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading