بقلم: محمد اكن
ليست الانتخابات التشريعية مجرد محطة دستورية تتجدد كل خمس سنوات، وليست أيضًا مناسبة سياسية تتنافس فيها الأحزاب على المقاعد البرلمانية فحسب، بل هي، في جوهرها، لحظة تختبر فيها الدولة والمجتمع معًا مستوى الثقة المتبادلة بين المواطن ومؤسسات الوساطة السياسية. ففي الديمقراطيات الراسخة، تُقاس قوة الانتخابات بقدرتها على تجديد الشرعية وتعزيز المشاركة، بينما تُقاس في الديمقراطيات الناشئة بقدرتها على إعادة بناء الثقة كلما تعرضت للاهتزاز.
وفي المغرب، تبدو الإشكالية أكثر تعقيدًا. فالمشكلة لم تعد محصورة في نسب المشاركة أو في هوية الحزب الذي سيقود الحكومة المقبلة، وإنما في سؤال أكثر عمقًا وإزعاجًا: هل ما تزال الأحزاب السياسية قادرة على تمثيل المجتمع المغربي، أم أنها أصبحت تمثل نفسها أكثر مما تمثل المواطنين؟
هذا السؤال لم يعد حكرًا على الباحثين في العلوم السياسية، ولا على النخب الأكاديمية، بل أصبح يتردد في المقاهي، وفضاءات التواصل الاجتماعي، وداخل البيوت، وبين الشباب الذين يشكلون الكتلة الديموغرافية الأكبر في البلاد. وهو ما يكشف أن أزمة الأحزاب لم تعد أزمة تنظيمية أو انتخابية فحسب، بل تحولت إلى أزمة ثقة تمس جوهر العلاقة بين المواطن والعمل السياسي.
لقد اعتادت الأحزاب المغربية، مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، على إنتاج سردية متكررة تكاد تكون ثابتة لا تتغير. تبدأ هذه السردية بالحديث عن “الرهانات الوطنية”، ثم تنتقل إلى استعراض الإنجازات أو تحميل المسؤوليات للخصوم، قبل أن تنتهي بوابل من الوعود التي تتكرر بصيغ مختلفة منذ سنوات طويلة. ومع مرور الزمن، أصبح المواطن المغربي يحفظ هذه اللغة السياسية عن ظهر قلب، لا لأنه اقتنع بها، بل لأنه سمعها مرارًا دون أن يرى انعكاسها الكامل على واقعه اليومي.
واللافت أن معظم الأحزاب ما زالت تتعامل مع الانتخابات باعتبارها موسمًا للتواصل، لا باعتبار التواصل وظيفة دائمة. فهي تكثف حضورها الإعلامي قبل الاقتراع، ثم يتراجع هذا الحضور تدريجيًا بعد إعلان النتائج، وكأن العلاقة مع المواطن تنتهي بانتهاء عملية التصويت. وهذه المقاربة تكشف خللًا بنيويًا في فهم السياسة نفسها؛ لأن الأحزاب ليست شركات تسويق تظهر عند إطلاق منتج جديد، وإنما مؤسسات يفترض أن ترافق المجتمع باستمرار، وأن تكون جزءًا من نبضه اليومي.
لقد تغير المجتمع المغربي بوتيرة أسرع من تغير أحزابه. فالمواطن اليوم أكثر اطلاعًا، وأكثر قدرة على الوصول إلى المعلومات، وأكثر استقلالية في تكوين آرائه. ولم يعد ينتظر الخطاب الحزبي ليعرف ما يجري، بل أصبح يصنع رأيه من خلال تعدد المصادر، ويقارن بين التجارب، ويقيس الوعود بالنتائج، لا بالشعارات.
ومن هنا، فإن أحد أكبر الأخطاء التي وقعت فيها الأحزاب المغربية هو اعتقادها أن أدوات التواصل القديمة ما زالت قادرة على التأثير في مجتمع جديد. فما زالت تعتمد، في كثير من الأحيان، على خطاب تقليدي، ولغة خشبية، وشعارات عامة، بينما تغيرت لغة المجتمع، وتبدلت أولوياته، وأصبح أكثر حساسية تجاه المصداقية والشفافية والقدرة على الاعتراف بالأخطاء.
إن الناخب المغربي لم يعد يبحث عن السياسي الذي يجيد الخطابة، بل عن المسؤول الذي يجيد الإنصات. ولم يعد ينجذب إلى كثرة الوعود، بل إلى وضوح الرؤية وقابلية التنفيذ. لذلك، فإن الأزمة ليست في ضعف الحملات الانتخابية، وإنما في اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي.
ومن الأخطاء المتكررة أيضًا أن الأحزاب كثيرًا ما تفسر تراجع المشاركة الانتخابية أو انخفاض الثقة بأنها نتيجة “عزوف الشباب عن السياسة”. غير أن هذه القراءة تبدو تبسيطية إلى حد كبير؛ لأن الشباب المغربي لم يعزف عن السياسة بقدر ما أعاد تعريفها. فهو يناقش القضايا العامة يوميًا عبر المنصات الرقمية، ويتفاعل مع السياسات العمومية، ويعبر عن آرائه بجرأة، لكنه لا يجد في كثير من الأحيان داخل الأحزاب فضاءً يعكس تطلعاته أو يمنحه الإحساس بأنه شريك حقيقي في صناعة القرار.
ومن ثم، فإن الحديث عن عزوف الشباب قد يخفي حقيقة أكثر إزعاجًا، وهي أن جزءًا من الأزمة يعود إلى عجز الأحزاب عن تجديد خطابها، واستقطاب الكفاءات، وإعادة بناء جسور الثقة مع الأجيال الجديدة.
إن السياسة في جوهرها ليست منافسة على المقاعد، بل هي فن بناء الثقة. والثقة لا تُفرض بالقانون، ولا تُشترى بالدعاية، ولا تُصنع في الأسابيع الأخيرة قبل الانتخابات، وإنما تُبنى عبر سنوات من الحضور، والإنصات، والوفاء بالالتزامات، والقدرة على الاعتراف بالإخفاق قبل الحديث عن النجاح.
ولذلك، فإن الانتخابات التشريعية المقبلة لن تكون مجرد منافسة بين برامج انتخابية، بل ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأحزاب المغربية على إقناع المجتمع بأنها ما زالت تمثل أداة فعالة للتغيير، لا مجرد مؤسسات تنتظر موسم الاقتراع لتستعيد حضورها الإعلامي.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

