​سقوط القناع الأخضر: كيف تحولت “أخوّة العقيدة” إلى تصفية حسابات وجودية؟

abdelaaziz6منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
​سقوط القناع الأخضر: كيف تحولت “أخوّة العقيدة” إلى تصفية حسابات وجودية؟

​ذ/وهيبة الوردي

لم تكن الخرجات السجالية الأخيرة بين حزب “العدالة والتنمية” وجماعة “العدل والإحسان” مجرد نقاش فكري عابر أو اختلاف في تقدير المواقف، بل كانت بمثابة إعلان رسمي، ومصحوب بنوع من التشفي الضمني، عن وفاة ما يمكن تسميته بـ”الرومانسية الدينية” في الفضاء السياسي المغربي. لعقود طويلة، تحصن التياران خلف جدار سميك من المشترك العقدي، موهمين القواعد الشعبية بأن الخلاف بينهما هو خلاف “إخوة” في المنهج لا غير، لكن ما يحدث اليوم في العلن يكشف عن حقيقة أكثر راديكالية وإثارة للجدل: نحن أمام صراع وجودي شرس حول “احتكار الحديث باسم السماء”، صراع خلعت فيه القفازات الدعوية برمتها ولم يبقَ فيه سوى المصالح السياسية العارية والمقايضات التنظيمية.

​الواقع الذي يتهرب الطرفان من الاعتراف به علناً، وتخفيه كواليس التراشق الإعلامي، هو أن حزب العدالة والتنمية، الذي عاش عقداً من الزمان في النعيم التدبيري والسلطوي، يمر اليوم بأزمة هوية وجودية خانقة بعد زلزال ثمانية شتنبر؛ فالحزب الذي قدم تنازلات استراتيجية كبرى وصادمة لقواعده بداعي “الحفاظ على استقرار الدولة”، يجد نفسه اليوم بلا سلطة وبلا معارضة حقيقية، مما يدفعه إلى محاولة استعادة “مظلوميته القديمة” والعودة إلى الشارع عبر تبني خطاب هوياتي حاد لترميم شرعيته المتآكلة. وهنا تحديداً تصطدم رغبة الحزب بجدار جماعة “العدل والإحسان”، التي ترى في انكسار “البيجيدي” الانتخابي والسياسي فرصة تاريخية لا تعوض لإثبات صحة نبوءتها التاريخية؛ فالجماعة، التي طالما روجت لأطروحة “العقم المؤسساتي” واعتبرت المشاركة في اللعبة السياسية مجرد تزكية لمنظومة ترفضها، تجد في الوضع الحالي ورقة رابحة لتقول للمغاربة: “ألم نقل لكم إن التغيير من الداخل وهم؟”. هذا التشفي المبطن من طرف الجماعة، ومحاولتها ملء الفراغ السوسيولوجي في الهوامش والجامعات، هو ما يثير حنق قادة العدالة والتنمية الذين يرون في مواقف الجماعة طعنة في الظهر وعزلة اختيارية مريحة تعفي أصحابها من كلفة التسيير والمحاسبة.

​لكن الحقائق المخفية عن الرأي العام تتجاوز هذا التلاسن السطحي إلى ما هو أعمق وأخطر؛ فالتياران معاً يواجهان اليوم عدواً مشتركاً صامتاً يهدد رصيدهما الرمزي، وهو “المواطن المغربي الجديد”. هذا المواطن الذي عاصر وعود الإسلاميين في الحكومة، وشاهد في الآن ذاته جمود شعارات الجماعة في صالوناتها المغلقة، لم يعد تنطلي عليه أدبيات “الخلافة” ولا “أسلمة المجتمع”. لقد أحدثت الثورة الرقمية والعولمة الثقافية شرخاً هائلاً في جدار الطاعة العمياء، ولم تعد النخب الشابة مستعدة لشراء بضاعة أيديولوجية لا تنعكس على واقعها المعيشي، وصار السؤال الحارق المطروح في مقاهي الهامش والمركز: ماذا قدمت لنا “المرجعية الإسلامية” في معارك الصحة والتعليم والبطالة والقدرة الشرائية؟ إن هذا التحول في الوعي الجمعي هو ما يفسر حدة وعصبية السجال الأخير؛ فالطرفان يشعران، ربما لأول مرة، بأن البساط يسحب من تحت أقدامهما، وأن التنافس لم يعد على قيادة المجتمع، بل على من يحتفظ بآخر المعاقل الشعبية التقليدية قبل أن يجرفها سيل التحولات السوسيولوجية الجارف. إنها مواجهة بين تيار يريد العودة إلى طهرانية “الدعوة” بعد أن لوثته وحل “السياسة”، وتيار يصر على البقاء في نفق “المقاطعة” خوفاً من مواجهة الواقع، وبينهما تتبدد الرومانسية الدينية لتترك مكانها لأسئلة البقاء والمصلحة التنظيمية الصرفة.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading