بقلم : الاستاذ سعد كنزي
القانون الجديد للشيك بالمغرب ، ليس مجرد تجسيد للقوانين و التعديلات التطبيقية ، بل هو تقلب هادئ يسعى لإحداث تغيير في طريقة تفكيرنا ، كونَنَا خبراء قانون و في الوقت نفسه مواطنين. إقدام المشرع المغربي على إتخاذ هذه التعديلات خوَّل لنا الإنتقال إلى منطق أكثر انسانية ، حيث منح أولوية للوفاء على العقاب . هذا التعديل يجعل منه خيارا يعد من التفاؤل ، غير ان دائما ما تتشكل أسئلة عميقة بشأن آثاره مستقبلا .
طبقا لمهنتي و من واقع تجربتي داخل المحاكم ، نتعايش مع حقيقة مرة ، و هي أن المقاربة القديمة التي لطالما اعتمدت على التخويف والسجن لم تحد قط من ظاهرة الشيكات بدون رصيد ، بل و كانت سببا في إثقال كاهل القضاء و إدخال آلاف الأشخاص ، بما فيهم تجار صغار ومقاولين شباب و أجراء في سلسلة متتابعة من القضايا الجنائية المعقدة . احتمال كبير أن هؤلاء وقعوا ضحايا تعثر مالي مفاجئ ، دون النية و الرغبة في الاحتيال . هذا كله نتيجة جعل الشيك مصدر خوف ، عوض أداة ثقة .
المشروع الجديد يهدف إلى إعادة التوازن من جديد ، حيث يقوم بترسيخ هدف أسمى يتمثل في استخلاص المال و ليس سلب الحرية ، مع جعل القانون نافذًا فقط على من يثبت ارتكابه الأعمال بسوء النية . هذا التوجه أدى إلى إدراك الفرق بين الخطأ الاقتصادي و الجريمة الحقيقية . لكن دائما ما تساءلت : هل ستظل الثقة في المعاملات قائمة؟
كمحام يعيش تفاصيل هذه النزاعات يوميا ، أتفهم تماما خوف الدائنين ، داخل بيئة اقتصادية مازالت تستند إلى الشيك و تعتبره عمودا وركنا أساسيا ، يحتاج الدائن إلى ضمانة ملموسة تحميه ، لا إلى مساطر تسوية تمتد و تفقد معناها مع الوقت . فالعدالة لا تكتمل إلا بالحرص على حماية حقوق من دفع المال أيضا.
إن نجاح هذا التشريع الجديد مشروط بتجسيده على أرض الواقع. توجّب على القضاء اليوم موازنة الميزان بين منح فرصة ثانية للشخص المتعثر حسن النية ، وردع المحتال الذي يسعى جاهدا لاستغلال هذا التخفيف .فيما يخص النيابة العامة ، فهي تشكل دورا محوريا ، فالتساهل الزائد قد يخوِّل الانتقال من إصلاح إلى أزمة ثقة أعمق
من منظوري الشخصي ، أرى أننا أمام فرصة ذهبية تسنح الى اعادة النظر في مكانة الشيك داخل المنظومة القانونية و الاقتصادية ، شريطة إعطاء أهمية لتطوير وسائل دفع بديلة و عصرية ، مع نشر ثقافة مالية واعية ، اضافة الى تسريع مساطر التنفيذ و الدفع . خلافا لذلك ، قد يظل هذا القانون مجرد نص ضعيف الآثر .
المقايضة الحالية ليست اختيارا بين
الردع و التسوية القانونية ، بل هو تحقيق عدالة مالية متوازنة ، ترمي الى حماية الائتمان دون ان تجرم الفشل ، و تصون حق الدائن مع مراعاة مصالح المدين . هذا التشريع يحاول اثبات فعالية التوفيق بين المتطلبات الاقتصادية و روح العدالة الإنسانية.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


