ذ سعد كنزي ( محام متمرن بهيئة الدار البيضاء)
في اللحظة التي يتقرر فيها مصير الأوطان، لا ينبغي لنا أن نعتبر القوانين مجرد حبر على ورق؛ بل هي في جوهرها انعكاس لروح العدالة، أو من وجهة نظر أخرى، مسمار يزعزع استقرار السلطات وتوازن المجتمع.
يتمثل الطابع الدولي لمهنة المحاماة ، من خلال الاعتراف بها في شتى المواثيق الدولية ، وتعتبر أحد الركائز التي تنبني عليها العدالة و يسودها القانون ، و ليس مجرد وظيفة تطبيقية . إذ تعد مهنة المحاماة وسيلة قانونية للمساءلة ، حيث تشكل دورا أساسيا في حماية الحقوق و الحريات ، و في مراقبة مدى احترام السلطات العمومية للمبادىء التشريعية. و تبعا لهذا التوجه ، فإن ممارسة المحامي لمهامه باستقلالية ، تتيح إخضاع القرارات العمومية و التشريعات تحت الاشراف القانوني ، الشيء الذي يساهم في ضمان الاحترام تجاه الحقوق الأساسية، و الحد من التعسفات عند استعمال السلطة.و لذلك لا يمكن تجاهل التأكيد المذكور سابقا في مختلف المواثيق الدولية، على استقلال مهنة المحاماة و الحرص على حمايتها من أي نوع من أنواع التدخل السياسي أو أي تقييد تشريعي ، من باب المصادفة ، بل باعتبار ان هذه الاستقلالية تجسد ضمانا أساسيا لتفادي أي انحراف في ممارسة السلطة أو المساس بآليات المساءلة القانونية.
إن السياسي ، عند محاولة تضييق الحد من استقلاله أو تقييد دوره ، لا يفعل ذلك بسبب عائق شخصي ، بل نتيجة وجود سلطة دفاع مستقلة ، توجب الادراك بأن ممارسة السلطة تخضع للقيود القانونية ، و أن القانون يشكل قيمة أسمى ، هذه القيمة تجسد الضمان الأساسي لعدم انفراد أي طرف بالسلطة.و انطلاقا من هذا الأساس ، فإن المساس باستقلالية مهنة المحاماة أو تقليص دورها ليس مجرد خلاف مهني تنظيمي ، بل يعتبر إجراء سياسي يخالف المعايير الدولية ، و يضعف أحد الركائز الأساسية التي تهدف لحماية الحقوق و الحريات . إن تقييد سلطة الدفاع يؤدي عمليا إلى الانتقاص من آليات المساءلة ، و يشكل تمهيدا لتطبيق السلطة بشكل استبدادي باسم القانون.
هذا المشروع الجديد الذي يستهدف و بشكل دقيق استقلالية المهنة، ليس بمجرد تعديل تطبيقي يسهل تخطيه ، بل هو في الحقيقة عكس ذلك . إنه يهدد استقرارية الركيزة التي يستند إليها كل مواطن تعرض او شعر بالظلم : حق الدفاع.
أكتبُ إليكم اليوم، لا دفاعاً عن لقبٍ أو مسمى وظيفي، ولا خوفاً على امتيازاتٍ مهنية زائلة، بل وفاءً لعهدٍ قطعناه على أنفسنا كـمحامين منذ اليوم الأول. المحاماة في نظري لم تكن و لن تكون يوماً مجرد وظيفة نؤديها، بل هي رسالة أمانة تسقط على رقابنا؛ نحن الصوت الذي يمثل الأشخاص التي خنقتهم الظروف، والسبيل الذي يتجه نحوه كل من ضاقت به المخارج و الطرق ،وبحث عن بصيص عدل. إن دفاعي اليوم هو دفاع عن حقك أنت في أن تجد من يقف بجانبك حين تتعرض للظلم.
حين نتأمل ما تخفيه سطور هذا المشروع الجديد ، ندرك سريعاً أن الهدف ليس تطوير مهنتنا كما يقال، بل هو محاولة صريحة لتضييق دور المحامي وتكبيل يديه، سالبين حق الدفاع معناه الحقيقي، مع وضع حدود لحرية المهنة ، بالاضافة الى حصر إستقلالية المحاماة ، مما يؤدي إلى تحويل المحامي من حارس للعدالة إلى مجرد موظف تحت الرقابة.
لا يعد هذا مجرد تغيير إداري، بل هو يرمي في الخفاء إلى إضعاف كل صوت مستقل يدافع عن حقوق الناس. ورود “حق الدفاع” على سطور النص الدستوري المغربي ليس محض نظريات، بل هو ركيزةً للمحاكمة العادلة، الذي يرى المحامي شريكاً حقيقياً في إنصاف المظلومين. لكن هذا المشروع للأسف، ينظر إلينا بعين الوصاية والضبط، ويحول استقلاليتنا التي هي ملك للمواطن قبل أن تكون لنا إلى مجرد شعار فارغ لا روح فيه.
إن الطريقة التي أُسس بها هذا المشروع لا تقل شدة عن نصوصه؛ فقد كُتب في غرف مغلقة، بعيداً عن أصحاب البيت الحقيقيين. لقد تم تهميش المحامين وإقصاء أصواتهم من أي نقاش حقيقي، وكأن هناك من يستكثر علينا حتى المشاركة في رسم مستقبل مهنتنا. فكيف لنا أن نصدق بوجود إصلاح يتجاهل من يعيشون يوميات المحاكم، ويعرفون مواجع العدالة وتفاصيلها الواقعية؟
لقد كانت المحاماة في المغرب، وستظل، أكبر من مجرد مهنة ذو هدف ربحي؛ إنها انعكاس للعدالة، ودرعٌ يحمي الحريات، وصوتٌ يرتفع في وجه كل اعتقال تعسفي أو خرق للحقوق. إن محاولة تجريد المحامي من روحه النضالية هي في الحقيقة تجعل من العدالة مجرد إجراءات صماء ومساطر باردة .
لا يمكننا القبول بأن تُتخذ الأخلاق و التنظيمات عذرا لتقييدنا؛ فالأخلاق تُزرع في النفوس ولا تُفرض بالترهيب، والعدالة لا تقوى أبداً حين يُضعف جناح الدفاع. الإصلاح الحقيقي الذي ننشده ليس في الزجر، بل في حفظ كرامة المحامي، وتوفير بيئة تحميه وهو يؤدي واجبه الصعب، ليكون قادراً على حماية غيره.
إن محاولة إلقاء لوم تعثر القضاء على عاتق المحامين هي هروب من مواجهة المشاكل العميقة والحقيقية للمنظومة. فالمحامي لا يملك سلطة تشريع القوانين، ولا يوقع الأحكام، ولا يدير ردهات المحاكم؛ هو ببساطة إنسان كرس حياته ليدافع عن حقوق الآخرين. وهذا الدور لا يمكن أن يكتمل إذا سُلب منه استقلاله أو حُرم من ضمانات قانونية تجعله يقف رافعا رأسه أمام الظلم.
بناءا على كل ما سبق، عليكم أن تدركوا أن غضب المحامين اليوم وصيحاتهم الرافضة ليست مجرد انفعال عابر أو تمسكاً بمصلحة ضيقة؛ بل هي صرخة وعي بمستقبل مظلم يهددنا جميعاً. إن صمتنا اليوم لن ندفع ثمنه نحن وحدنا كمحامين، بل سيدفعه كل مواطن يبحث عن الأمان والعدل في غدٍ قد لا يجد فيه من يرفع عنه الظلم.
ما نخوضه حاليا يمسكم كما يمسنا؛ فالدفاع عن المحاماة هو دفاع عن حقك في أن تُنصف، وعن ميزان عدالة لا يميل لجهة دون أخرى. فلا يمكن للعدالة أن تستقيم بقضاءٍ يملك كل شيء ودفاعٍ لا يملك شيئاً، ولا يمكن لدولة القانون أن تُبنى إلا إذا كنا جميعاً شركاء حقيقيين، لا أتباعاً.
أمام هذا الواقع، لم يعد الأمر مجرد نصوص قانونية، بل أصبح مسؤولية تاريخية تحتم علينا جميعاً التخلي عن لغة الفرض والتهميش. نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى حوار وطني حقيقي يجمعنا على طاولة واحدة، مبني على الاحترام المتبادل والإيمان بأن العدالة لا تقوى بفرض السيطرة، بل بالتوازن والشراكة الصادقة.
ستظل المحاماة دائماً هي الملاذ الأخير و الأمل النهائي الذي يلجأ إليه كل من يبحث عن حقه وحريته. وأي قانون يحاول إضعافه، لا يضر المحامين وحدهم، بل يجعل من مفهوم العدالة عرضة لتقلبات الأحداث.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

