الشرق يتحول من المركزية إلى الجهوية المتقدمة، هل انتهى زمن “المغرب غير النافع”؟
إعداد : عبد الرحيم باريج

قراءة في الصورة التي هزت الشرق – 20 مشروعا بمئات المليارات أو الصورة التي نشرتها إحدى الصفحات النشيطة في مواقع التواصل الإجتماعي وتداولها نشطاء الشرق بفخر، ليست مجرد أرقام، هي أول مرة نرى فيها جهة الشرق بهذا الحجم من الإستثمار في وثيقة رسمية واحدة هي مشروع قانون المالية لعام 2027، ليقرأها أهل الشرق سطرا سطرا، كل رقم فيها هو معركة تنموية قديمة.
الناظور غرب المتوسط.. الدولة تصب 1.446 مليار درهم في ميناء واحد
يكشف القانون أن الناظور غرب المتوسط ليس ميناء، بل منظومة دولة، 854,7 مليار سنتيم لمحطات الحاويات والمحطة متعددة الإستعمالات، 188,7 مليار سنتيم لاقتناء رافعات لمحطتي الحاويات، 170 مليار سنتيم لتوسعة محطة الحاويات الغربية، 123,3 مليار سنتيم لتجهيز المحطتين الشرقية والغربية، بمجموع أكثر من 1.336 مليار درهم فقط لتجهيز الميناء للتشغيل، وهذا هو أكبر استثمار مينائي بعد طنجة المتوسط. يمول القانون شرايينه لكي لا يبقى الميناء جزيرة معزولة، ب 790 مليار سنتيم للطريق السيار جرسيف – الناظور 104 كلم، و150 مليار سنتيم للربط السككي سلوان – الميناء 52 كلم، و150 مليار سنتيم لتثنية الطريق الوطنية رقم 2 على طول 70 كلم، وهذه الثلاثة هي التي ستجعل الحاوية تخرج من الناظور إلى فاس في 3 ساعات بدل 7 ساعات.
ثورة الماء – سدود الشرق تنقذ الجهة من العطش
كانت المفاجأة التي لا يتحدث عنها أحد، يخصص قانون مالية 2027 لأول مرة غلافا مائيا تاريخيا للشرق، ب 150,6 مليار سنتيم لبناء سد تاركا أومادي بسعة 287 مليون متر مكعب، و125 مليار سنتيم لتعلية سد محمد الخامس لتصل سعته إلى 980 مليون متر مكعب، و134,3 مليار سنتيم لبناء سد بني عزيمان بسعة 44 مليون متر مكعب. ويأتي هذا في سياق وطني تخطط الحكومة فيه لجيل جديد من محطات التحلية في جهة الشرق وسوس وطنجة للتشغيل بين 2029 و2030 لبلوغ 1,8 مليار متر مكعب سنويا. عاش الشرق أزمة مائية خانقة في ملوية، وسيتحول لأول مرة إلى جهة مؤمنة مائيا.
ثورة الصحة – خمسة مستشفيات دفعة واحدة
هذا هو الخبر الذي يهم المواطن البسيط في وجدة وجرسيف وتاوريرت، 110 مليار سنتيم لبناء المستشفى الجهوي بوجدة 380 سريرا، و69,7 مليار سنتيم لبناء المستشفى الإقليمي بالناظور 250 سريرا – وقد انتهت أشغاله، و70 مليار سنتيم لبناء مستشفى جرسيف 190 سريرا، و75 مليار سنتيم لبناء مستشفى بركان 175 سريرا، و78,5 مليار سنتيم لبناء مستشفى تاوريرت 160 سريرا. لم تبن منذ الإستقلال خمسة مستشفيات في عام واحد في الشرق، وهذا يعني أن ساكنة جرادة لن تضطر للسفر إلى وجدة من أجل عملية بسيطة.
التعليم والرياضة والسياحة
وأخيرا تم تخصيص 50 مليار سنتيم للمركب الرياضي بالناظور – الحلم الذي طال انتظاره لجماهير الهلال الزينة، و322,5 مليار سنتيم لمشروع شركة تنمية السعيدية السياحي والعقاري لإعادة إحياء المحطة التي تعثرت، و15,1 مليار سنتيم للمدرسة العليا للتربية والتكوين بوجدة 4400 مقعد، و11 مليار سنتيم للمدرسة العليا للتكنولوجيا بالناظور 3704 مقعد، و14 مليار سنتيم لبيت إفريقيا وتوسعة المركب الرياضي الجامعي بوجدة.
ماذا ستربح الجهة؟
تؤكد اقتصاديا، مذكرة التوزيع الجهوي أن جهة الشرق سجلت أكبر ارتفاع في الإستثمار العمومي التوقعي +31,4 في المائة مقابل تراجع طنجة -9,4 في المائة. وسيرفع هذا مساهمة الجهة في الناتج الوطني التي لا تتجاوز اليوم أربعة في المائة، ويخلق آلاف فرص الشغل في اللوجستيك والصيانة والتكوين.
وصادق اجتماعيا، مجلس الجهة نفسه على ميزانية 2027 بقيمة 1,264 مليار درهم بفائض استثماري 514,9 مليون درهم، وزعها على مسالك قروية (100 مليون درهم)، ودعم النقل الجوي (54,35 مليون درهم) وتكنوبول وجدة ومراكز التوحد والتمكين النسائي. ويعني هذا أن قانون المالية للدولة يلتقي مع ميزانية الجهة لأول مرة، جهة يترأسها شاب طموح في رؤيته لتنمية الشرق.
وخصصت استراتيجيا، الحكومة 25 مليار درهم عام 2027 لبرامج التنمية الترابية المندمجة و210 مليار درهم على ثمانية أعوام، مع رفع تحويلات الدولة للجهات إلى 12 مليار درهم كل عام ابتداء من 2027، والشرق هو المستفيد الأول من هذا التحول من المركزية إلى الجهوية المتقدمة.
ماذا بقي من نقص؟ الحقيقة التي لا تخفيها الأرقام
تبقى رغم هذا الزلزال الإستثماري ثلاثة ثغرات قاتلة، تتجلى أولا في البطالة والهجرة. وتسجل الجهة بطالة 12,7في المائة ونمو ديمغرافي سالب -0,09في المائة ونسبة مشاركة 36,6في المائة فقط. تبني الحجر الميناء والطرق، لكنها لا تضمن أن ابن الناظور سيشتغل كمهندس لوجستيك وليس كحارس. التحدي كما قال تقرير “ريف ديا” هو “تحويل المركب من منشأة استراتيجية كبرى إلى رافعة فعلية للتنمية المحلية عبر التكوين والمواكبة”.
وتظهر الثغرة الثانية في العدالة داخل الجهة. تتمركز كل المشاريع الضخمة في محور الناظور-السعيدية-وجدة. وتستحوذ فجيج على 15في المائة من مشاريع برنامج التنمية الجهوية 12,8 مليار درهم، لا تزال تنتظر تأهيل سوق عين الشعير بـ 3,2 مليون درهم فقط. ولا تزال الدريوش وجرسيف تطلب سيارة إسعاف وحافلة نقل رياضي، وغيرها من (النواقص) المثيرة في أقاليم جرادة وتاوريرت وبركان.
ويظهر ثالثا، في الإستثمار الخاص الذي لا يزال يهرب من الشرق، بينما تضخ الدولة 400 مليار درهم. وبدون إعفاءات ضريبية خاصة، ومنطقة صناعية حقيقية مرتبطة بالميناء، وفتح الحدود مع الجزائر، ستبقى هذه المشاريع “كاتدرائيات في الصحراء”.
الكرة الآن في ملعب المنتخبين والمجتمع المدني
يقول قانون مالية 2027 يقول لسكان الشرق، لقد دفعتم ثمن الإقصاء لعقود، والآن جاء وقت التعويض. هو أول قانون مالية يتعامل مع وجدة والناظور كواجهة متوسطية وليس كخلفية حدودية.
وتوجد الكرة الآن في ملعب المنتخبين والمجتمع المدني، هل ستتحول 854,7 مليار سنتيم من الإسمنت إلى فرص شغل للشباب، أم سيتم ترك الميناء يشتغل بأطر من الدار البيضاء وطنجة، بينما شباب أقاليم الشرق الثمانية المسجل أعلى نسبة بطالة في البلاد سيبقى كما كان، يشاهد من التلال؟
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


