وجدة تطفئ أنوارها على سينما لا تزيّن الواقع بل تواجهه،
من “ملكة القطن” إلى “وقت الصلاة” : دورة 15 تؤكد أن الشعار لم يكن شعارا.. “حين يعتم العالم، تضيء السينما” أصبح برنامج عمل.
وجدة : عبد الرحيم باريج
أسدل الستار مساء أمس الثلاثاء 21 أكتوبر، في رحاب مسرح محمد السادس بوجدة، على فعاليات الدورة الخامسة عشرة للمهرجان الدولي المغاربي للفيلم، التي نظمتها جمعية “سيني مغرب” تحت شعار “حين يُعتم العالم، تضيء السينما”.
انطلقت الدورة يوم 16 أكتوبر واستمرت لستة أيام، شهدت مشاركة 18 فيلما تنافست ضمن مسابقتين رسميتين، الأولى خاصة بالأفلام الروائية الطويلة والثانية خاصة بالأفلام الروائية القصيرة، إلى جانب برمجة مهنية وثقافية متنوعة احتضنها مسرح محمد السادس وفضاءات أخرى بالمدينة.
كرم المهرجان في الإفتتاح الممثلة المغربية نفيسة بنشهيدة والمخرج والممثل التونسي معز التومي والممثلة المصرية صابرين، واختتم تكريماته في حفل الختام بالموزع السينمائي المغربي محمد خونا والممثلة البوركينابية جورجيت باري.
تضمن حفل الإفتتاح عرضا بصريا بتقنية الهولوغرام مصحوبا بأداء غنائي للفنان الكبير يونس ميكري، فيما أحيت الفنانة المغربية دليلة مكسوب الفقرة الغنائية في حفل الختام.
حضرت حفل الختام وجوه سينمائية من المغرب الكبير وإفريقيا والعالم العربي، وتم الإعلان عن جوائز لجنتي التحكيم التي اختارت في وجدة هذا العام سينما المواجهة، ليس مواجهة السلاح، بل مواجهة الأرض والذاكرة والجسد.
وترسم 12 جائزة، 6 في الطويل و 6 في القصير، خريطة واحدة: المرأة في قلب الصراع، الهجرة كقدر، والأصالة في مواجهة مشاريع التنمية المستوردة.
لم تكافئ لجنتي تحكيم مهرجان وجدة الترفيه، كافأت سينما تضع المرأة في مركز القرار (نفيسة، ماري، ناني، جدة هجرة، رحيق)، وسينما تعتبر الأرض ليست ديكورا بل شخصية رئيسية: حقول قطن السودان، جبال كوندافا، بيوت تونس المغلقة، طرق الحجاز، حواجز فلسطين. هذا هو خيط الناظم الذي جعل “حين يعتم العالم، تضيء السينما” ليس شعارا، بل برنامج عمل.
أولا، مسابقة الأفلام الطويلة – سينما الأرض والجذور
1- الجائزة الكبرى:
“ملكة القطن” للمخرجة السودانية سوزانا ميرغني، الفيلم الحدث في وجدة كما كان في فينيسيا والدوحة. كانت دراما نسوية سحرية واقعية بقرية سودانية تشتهر بزراعة القطن، ترعرعت نفيسة على قصص بطولية عن محاربة المستعمرين البريطانيين ترويها لها جدتها “الست” – ربة القرية. حين يصل رجل أعمال شاب بخطة تنمية جديدة وقطن معدل وراثيا، تصبح نفيسة محور صراع سلطة لتحديد مستقبل القرية.
ولم تقدم ميرغني فيلما بيئيا فقط، بل فيلم عن الإستعمار الجديد. القطن الذي كان رمزا للمقاومة ضد البريطانيين، أصبح اليوم ساحة لاستعمار البذور المعدلة. نفيسة ليست فتاة تدافع عن حقل، بل وريثة أسطورة “ملكة القطن” التي تستيقظ على قوتها لتنقذ الحقول وتنقذ نفسها. وجد المهرجان الذي شعاره “حين يعتم العالم تضيء السينما” في هذا الفيلم إضاءة على قضية السيادة الغذائية، وكانت الجائزة في وجدة منطقية.
2- الجائزة الخاصة للجنة التحكيم:
“كوندافا / الأغنية الملعونة” للمغربي علي بنجلون، وهو أول فيلم روائي طويل لعلي بنجلون، ابن المخرج حسن بنجلون، مدير تصوير تحول للإخراج. عرضه العالمي الأول كان في القاهرة ضمن آفاق السينما العربية، ومدته 96 دقيقة. ويعني عنوانه الأمازيغي اللعنة التي تطارد أغنية. ويشتغل بنجلون على الموروث الشفهي، الموسيقى كذاكرة جماعية. وفاز الفيلم سابقا بالجائزة الكبرى “إسني ن ورغ” في المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي بأكادير، وجائزة أحسن تشخيص نسائي ورجالي.
يؤكد تتويجه في وجدة مرتين (خاصة لجنة التحكيم وأفضل ممثل)، أن السينما المغاربية بدأت تتصالح مع أساطيرها الخاصة، وهو ليس فيلما فولكلوريا بل فيلم عن كيف تصبح الأغنية وثيقة مقاومة.
3- جائزة أفضل ممثلة:
ديبورا لوبي ناني عن “سماء بلا أرض” للمخرجة أريج السحيري
الفيلم التونسي الذي حصد النجمة الذهبية في مراكش قبل أسابيع.
مستوحى من أحداث حقيقية وقعت في تونس في فبراير 2025 عندما استهدف المهاجرون من جنوب الصحراء. يتتبع ماري، قسيسة إيفوارية وصحفية سابقة تعيش في تونس، يصبح منزلها ملاذا لناني الأم الشابة و جولي الطالبة. و 92 دقيقة من الشاعرية المنخرطة في الواقع.
فازت ديبورا ناني أيضا بأفضل ممثلة في مراكش وأنغوليم. دورها ليس أداء بل شهادة. ويطرح الفيلم سؤال وجدة الكبير: ماذا نفعل حين تتحول بلاد العبور إلى بلاد طرد؟
4- جائزة أفضل ممثل:
فاروق أزنابط عن “كوندافا”
نفس الفيلم، لكن تتويج أزنابط (الذي تقاسم جائزة التشخيص في أكادير مع عبد اللطيف عاطف) يكشف قوة الشخصية الذكورية الممزقة بين الموروث واللعنة. يحمل الممثل الفيلم على صمته أكثر من كلامه.
5- جائزة أفضل سيناريو: “القصص” للمصري أبو بكر شوقي
الفيلم الذي اختير لتمثيل مصر في أوسكار 2027 و فاز بالتانيت الذهبي في قرطاج.
تعود قصته من 1967 حتى أواخر الثمانينات، رحلة أحمد عازف البيانو الطموح الذي تنشأ بينه وبين ليز المراسلة النمساوية صداقة تتحدى المسافات. بطولة أمير المصري ونيللي كريم.
عاد شوقي صاحب “يوم الدين” بملحمة زمنية عن الذاكرة المصرية المكسورة.
يعتبر السيناريو الفائز في وجدة سيناريو الزمن الممتد، كيف تتحول قصة حب إلى أرشيف لبلد بأكمله.
6- جائزة أفضل إخراج:
“هجرة” للسعودية شهد أمين، أو
الفيلم السعودي الذي توج بالجائزة الكبرى في مهرجان فيلم المرأة بسلا وعرض في قسم Spotlight في فينيسيا 2025.
قصة جدة تسافر مع حفيدتيها في عام 2001 من الجنوب إلى مكة، بطولة خيرية نظمي ولمار فادن ونواف الظفيري، مدته 115 دقيقة.
قدمت هنا شهد أمين مخرجة “سيدة البحر” فيلم طريق روحي. الإخراج ليس في حركة الكاميرا بل في تحويل الصحراء إلى مساحة داخلية للمرأة.
يثبت فوزها بجائزة الإخراج في وجدة بعد جائزة NETPAC لأفضل فيلم آسيوي في فينيسيا، أن السينما الخليجية الجديدة تكتب بلغة صوفية لا استعراضية.
ثانيا: مسابقة الأفلام القصيرة – وجع مكثف
1- الجائزة الكبرى:
“نمرة 42” للمخرج الأردني حسن خمايسة، إنتاج وزارة الثقافة الأردنية، وفاز قبل وجدة بجائزة أفضل عمل متكامل في مهرجان الأردن الدولي بدورته 11.
يحمل عنوانه الغامض دلالة رقمية بيروقراطية (نمرة غرفة، ملف، معتقل). ويشتغل الفيلم القصير هنا على التكثيف، ما لا يحتاج لرواية طويلة ليوجع. تتويجه المزدوج في وجدة (الجائزة الكبرى وأفضل سيناريو لطارق التميمي) يعني أن اللجنة كافأت البناء المحكم.
2- الجائزة الخاصة:
“منع أمني” للمخرج الفلسطيني تامر شوامرة + أفضل ممثلة رحيق شولي.
منحت اللجنة الفيلم الفلسطيني بامتياز جائزتها الخاصة تقديرا لرسالته وقيمته الفنية.
معنى “منع أمني” هو المصطلح الذي يسمعه الفلسطيني على الحاجز. ويحول الفيلم هذا المصطلح البيروقراطي إلى مأساة إنسانية يومية. فوز رحيق شولي بأفضل ممثلة يؤكد أن البطولة النسائية الفلسطينية أصبحت هي حاملة الحكاية، لا الضحية الصامتة.
3-4- جائزتان للفيلم التونسي-الفرنسي المشترك “وقت الصلاة” للمخرج رومين إبستاين، أفضل ممثل وليد بن مبروك وأفضل إخراج.
يحمل عنوانه وحده ثقلا رمزيا في سياق مغاربي. وقت الصلاة هو وقت توقف، تأمل، انتماء.
أن يفوز تونسي-فرنسي بهذه الجائزة في وجدة، مدينة الحدود، هو اعتراف بسينما الدياسبورا التي تعيش بين وقتين. إخراج إبستاين الذي كوفئ في وجدة يشتغل على اللحظة الفاصلة، لا الحدث الكبير.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


