بلاغ ناري ومدو من الجمعية المغربية لمساعدة المهاجرين في وضعية صعبة يعرّي سماسرة المآسي الذين يتاجرون بأكباد العائلات المكلومة، ويفجر فضيحة الإتجار بمآسي المفقودين في الجزائر ويبرئ ذمتها أمام الرأي العام من قلعة الإنسانية بوجدة
وجدة : عبد الرحيم باريج
هناك في وجدة، حيث تلتقي الجغرافيا بالجرح، وحيث تنام كل ليلة مئات الأمهات على أمل سماع رنة هاتف تحمل خبرا عن فلذة كبد ابتلعته أمواج المتوسط أو أسوار سجن في الضفة الأخرى، هناك من وجد في هذا الألم المقدس تجارة رائجة وموسما للربح السريع.
لم يعد الأمر مجرد إشاعات عابرة، بل أصبح ظاهرة إجرامية منظمة تستدعي دق ناقوس الخطر. وهذا ما دفع أيقونة العمل الإنساني، الجمعية المغربية لمساعدة المهاجرين في وضعية صعبة بوجدة، تلك الجمعية التي راكمت من المصداقية ما جعلها مرجعا دوليا معتمدا لدى كبريات المنظمات العالمية المعنية بملف الهجرة واللجوء، من مجلس حقوق الإنسان بجنيف إلى مفوضية الإتحاد الأوروبي، إلى عقد اجتماع إداري طارئ وعاجل يوم الأربعاء 22 أكتوبر، في سابقة تنم عن خطورة الوضع.
ما الذي يحدث في الخفاء؟
كشفت التحريات الدقيقة التي باشرها مكتب الجمعية أن أياد خفية، قلوبها كالحجارة أو أشد قسوة، دأبت على اختراق خصوصية العائلات المنكوبة والتواصل معها بشكل مباشر ومريب عبر مكالمات هاتفية ومجموعات واتساب مشبوهة، منتحلة صفات وسطاء نافذين ومحامين وهميين، مدعية قدرتها الخارقة على كشف مصير الأبناء المفقودين ومتابعة ملفات السجناء والموقوفين أمام المحاكم الجزائرية الشقيقة، مقابل إتاوات مالية وأتعاب باهظة.
إنها قمة الدناءة والانحطاط الأخلاقي، أن تطلب مقابلا ماديا من أم لا تملك إلا دمعها، ومن أب باع ما فوقه وما تحته بحثا عن قبر لابنه.
وقد ورد ضمن المعطيات الأولية التي توصلت بها الجمعية اسم المدعوة (ن.ر) كإحدى الوجوه التي تحوم حولها الشبهات في التورط في هذه الممارسات المشينة التي تسيء للعمل الحقوقي النبيل برمته.
بلاغ الحقيقة.. خمس رصاصات رحمة في قلب السماسرة
وأمام هذا الإنزلاق الأخلاقي الخطير، لم تختر الجمعية لغة الخشب، بل أصدرت بلاغا حازما، صارما، يضع النقط على الحروف ويقطع الطريق أمام كل المزايدين، وجاء فيه بمداد من ذهب:
أولا، مبدأ المجانية المطلقة.. عقيدة لا مساومة فيها، حيث أعلنت الجمعية للرأي العام الوطني والدولي أن عملها مع كافة الأسر والعائلات، وخاصة الأمهات المكلومات، هو عمل تطوعي، إنساني، اجتماعي، تضامني، مجاني بالمطلق، بل وتذهب أبعد من ذلك، إذ تخصص من ميزانيتها الخاصة الشحيحة غلافا ماليا لتعويض العائلات عن مصاريف تنقلها وإقامتها وتغذيتها خلال اللقاءات الحقوقية التي تحتضنها بوجدة أو وطنيا. فهل يعقل أن تطلب هذه الجمعية مقابلا وهي التي تدفع من قوت متطوعيها؟
وثانيا، لا وصاية ولا محاماة رسمية، بعد تأكيد الجمعية بكل شفافية أنها لا تنصب أي محام رسمي باسمها، وأن الأسر هي السيدة الوحيدة والمباشرة في اختيار هيئة دفاعها والتواصل معها، بعيدا عن أي وساطة.
وثالثا، براءة ذمة ووعيد بالمتابعة، حين تتبرأ الجمعية براءة الذئب من دم يوسف من هذه الأساليب الإبتزازية، وتعرب عن عزمها الأكيد على سلك كل المساطر القضائية لمتابعة كل من تسول له نفسه استغلال هشاشة العائلات وقلة حيلتها وضعف مداركها القانونية لإقحام اسم الجمعية العتيد في عمليات جمع الأموال، وقد تأكد للعديد من الأسر أن المحامين الذين قدموا لها هم مجرد أشباح وأسماء وهمية لا وجود لها في جداول الهيئات.
ورابعا، لا واتساب رسمي.. احذروا التقليد، حيث أعلنت الجمعية
في ضربة قاضية لمروجي المجموعات الوهمية، أنها لا تتوفر مطلقا على أي مجموعة رسمية على تطبيق الواتساب. ورقمها اليتيم والوحيد والموثوق به هو: +212 623-648352، ووضعته رهن إشارة كل العائلات عبر ربوع المملكة، تفاديا لإثقال كاهلهم بمصاريف التنقل إلى وجدة، من أجل الاستفسار ووضع الملفات.
وخامسا، القنوات الرسمية وحدها سبيل الخلاص، بتشديد الجمعية على أن عملية تتبع ملفات المتوفين والمفقودين والسجناء تتم بشكل تطوعي ومجاني كليا، حقوقيا واجتماعيا وتضامنيا، عبر القنوات الرسمية والدبلوماسية والقضائية المعتمدة لا غير.
وقفة إجلال لقلعة وجدة الإنسانية
اعتبر هذا البلاغ ليس مجرد بيان توضيحي، بل هو وثيقة شرف وشهادة وفاء تصدر عن جمعية لم تعد مجرد إطار جمعوي، بل تحولت إلى مؤسسة إنسانية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ومدرسة في التضحية ونكران الذات، يشهد لها المجتمع المدني العالمي باحترافيتها ونزاهتها.
وفي الوقت الذي يتفنن فيه سماسرة المآسي في ابتكار أساليب النصب، هناك في مقر صغير بوجدة، رجال ونساء يقتطعون من وقتهم ومن مالهم الخاص، ليضمدوا جراح أم، وليعيدوا جثمان شهيد، وليطمئنوا قلب أب.
لذلك نقولها مدوية: أيتها الأسر الكريمة، لا تدفعوا فلسا واحدا لأي كان. الجمعية المغربية لمساعدة المهاجرين في وضعية صعبة أبوابها مشرعة، وخدماتها مجانية، وكرامتكم فوق كل اعتبار.
ويفيد البيان/الرسالة إلى الجهات الوصية، أن الاتجار بمآسي الأمهات لا يقل خطورة عن الإتجار بالبشر، ويستوجب الضرب بيد من حديد على كل من يحاول تحويل الأحزان الجماعية لتلك العائلات المكلومة إلى دكاكين للإسترزاق الرخيص.
ووجب التوقف وقفة إجلال وإكبار أمام العمل الجبار الذي تقوم به هذه الجمعية بوجدة، التي تحولت بفضل تضحيات متطوعيها إلى قبلة للعائلات المكلومة من كل جهات المغرب، وإلى شريك موثوق للمنظمات الدولية والحقوقية. ففي الوقت الذي يتاجر فيه البعض بآلام الناس، هناك من يدفع من جيبه الخاص ليواسي أما ويطعم عائلة ويؤويها.
الجمعية المغربية لمساعدة المهاجرين في وضعية صعبة ليست جمعية عادية، إنها ضمير حي لجهة الشرق وللمغرب كله، ورصيدها في فك ألغاز المفقودين وإعادة الجثامين وتتبع السجناء يشهد لها به القاصي والداني، داخل الوطن وخارجه.
رسالتها واضحة في بيانها لعائلات المفقودين، أن لا يدفعوا درهما واحدا لأي كان. باب الجمعية مفتوح، وخدمتها مجانية، وكرامة العائلات خط أحمر. وأنه على السلطات المختصة أن تتحرك بسرعة لردع هؤلاء السماسرة الذين يحولون مأساة إنسانية إلى سوق نخاسة.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

