في إطار رصده المدقق للمشهد السمعي البصري الوطني، وبمناسبة انتهاء عرض الشبكة البرامجية لشهر رمضان 2026، عقد المركز المغربي للتنمية والإعلام والفيلم، وهو منظمة وطنية غير حكومية، اجتماعه لتقييم الحصيلة الفنية ومضامين الانتاجات المعروضة على القنوات الرسمية خلال شهر رمضان.
وإذ ينوه المركز بالإنتاجات الجادة والأصيلة، فإنه يعرب عن أسفه العميق لكون النتائج المحصلة لا تزال بعيدة عن سقف تطلعات المواطن المغربي، ولا تعكس أيضا الطموحات التنموية والثقافية لمملكة ذات تاريخي يمتد لقرون خلت، رغم كل الميزانيات الضخمة المرصودة بملايين الدراهم، التي تضخ في شرايين القطب العمومي في كل موسم تلفزيوني جديد.
تشخيص الواقع بين الرداءة والجمود: في تحليله يسجل المركز المغربي للتنمية والاعلام والفيلم أن الإنتاجات الرمضانية لهذا الموسم شابتها عدة ملاحظات منها:
*غياب التجديد والابتكار: حيث لاحظ المركز سيطرة الأنماط التقليدية في الحكي والإخراج، مع استنساخ تجارب سابقة دون أي اجتهاد إبداعي يواكب التطور الدرامي العالمي، فما نزال نجتر نفس المحتوى خصوصا بكل من الأولى والثانية وتمازيغت.
*هشاشة المحتوى والرسالة: ويتجلى في غياب العمق الفكري في السيناريوهات، وعدم وضوح غاية السيناريست وصاحب الفكرة من القصة، فقد ظلت أغلب الأعمال تسبح في السطحية، مفتقدة لرسائل قوية تعالج قضايا المجتمع المغربي الراهنة بمنظور تنموي وحداثي.
*غياب تام لأعمال تاريخية مغربية: قنواتنا العمومية الرسمية لا تزال عاجزة عن انتاج أعمال تاريخية حقيقية تؤرخ لحقب زمنية صنعت مجد المملكة وتاريخها العتيد، فلا وجود لأعمال تاريخية حقيقية تثمن العمق التاريخي للمملكة التي كانت بطلة لأحداث جسام بالبحر الأبيض المتوسط وافريقيا وجنوب أوروبا لحقب تاريخية طويلة.
*القطيعة مع هوية الجمهور: سجل المركز استمرار “الغربة الثقافية” في بعض الأعمال التي لا تعكس التنوع الهوياتي واللغوي والاجتماعي للمغرب، ما يعمق الفجوة بين المشاهد وقنواته الوطنية.
نبض الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي: لقد رصد المركز موجة عارمة من الاستياء عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث أجمع طيف واسع من المغاربة على:
*رفض”الحموضة” والابتذال: استهجان المحاولات اليائسة لانتزاع الضحك عبر أعمال تفتقر لأبسط مقومات الاحترام لذكاء المشاهد.
*هدر المال العام: التساؤل المشروع حول الجدوى الاقتصادية والاجتماعية من صرف ملايين الدراهم على مواد إعلامية تنتهي صلاحيتها بانتهاء عرضها، دون ترك أثر ثقافي او اقتصادي او اجتماعي مستدام.
*لوبيات الإنتاج الفني: استمرار وتنامي بعض الأعمال ذات الطابع الجغرافي واللسني في الظهور كل سنة، من قبيل اعمال اللهجة الشمالية واللهجة المراكشية وغيرها، وهذا أمر استهجنه بعض المتتبعين خصوصا أنه لا يضيف أي جديد حول تلك الثقافة والجهة، بل منها ما استهجنته ساكنة تلك المناطق نفسها.
قناة “تمازيغت”والإنتاج الأمازيغي: توقف المركز المغربي للتنمية والاعلام والفيلم عند الوضعية المقلقة التي آلت إليها القناة الثامنة (تمازيغت) خلال الموسمين الرمضانيين الأخيرين، فبعد سنوات من التفاؤل بأن تصبح القناة رافعة للهوية الوطنية، سجل المركز تراجعاً مهولاً في منسوب الجودة والابتكار وحتى الهوية، وهو ما يمكن تلخيصه في النقاط التالية:
*الانحدار الفني والنمطية: لاحظ المركز أن أغلب الإنتاجات الأمازيغية لهذا العام سقطت في فخ “الاجترار”، حيث غابت الرؤية الإخراجية الحديثة وظل النص الدرامي حبيس مواضيع تقليدية متجاوزة أو مقتبسة من ثقافات أخرى، لا تعكس الدينامية والتحولات التي يعرفها المجتمع الأمازيغي المغربي المعاصر.
*ضغوطات التدبير والتسيير: سجل المركز أن القناة تعيش تحت وطأة “ضغط وتوتر داخلي مستمر” في السنوات الأخيرة، ما انعكس سلبا على جو الإنتاج والابداع داخلها، ومن تم على جودة “الخدمة العمومية” المقدمة للناطقين بالأمازيغية.
*أزمة الإبداع والإنتاج: رصد المركز انتقادات واسعة من طرف المثقفين والمبدعين الأمازيغ، الذين اعتبروا أن برمجة رمضان 2026 اتسمت بـ “الاستسهال”، حيث تم تغليب منطق “ملء الشبكة” على حساب العمق الفني والجمالي، مما أدى إلى تراجع ملموس في نسب المشاهدة لصالح القنوات الأخرى والمنصات الرقمية.
*الغياب الكبير والتام للاشهار بالأمازيغية في وسائل الإعلام: فحتى بقناة تمازيغت نرى أن أغلب وصلاتها الإشهارية تتم بالعربية.
*غياب التوازن بين الإنتاج السينمائي الناطق بالعربية والاخر المتعلق بالإنتاج السينمائي الناطق بالامازيغية، وهذا الخلل يجري تسجيله من خلال حجم الاعمال السينمائية الامازيغية المدعمة وفي طلبات عروض القنوات الوطنية.
*استمرار احتكار بعض شركات الإنتاج للبرامج الخارجية وحصولها على أعمال تلفزيونية كثيرة.
*التهميش اللساني والثقافي بالقنوات العمومية: سجل المركز غياب الانتاجات الناطقة بالامازيغية في مختلف قنوات القطب العمومي على عكس ما أوصت به دفاتر التحملات، حيث سجل غياب تام للانتاجات بالأمازيغية في الأولى والقناة الثانية خلال شهر رمضان.
التوصيات من أجل إعلام عمومي هادف: أمام هذا الوضع، يتقدم المركز المغربي للتنمية والإعلام والفيلم للرأي العام وللوزارة الوصية على القطاع ولمسؤولي القطب العمومي بالتوصيات التالية:
*إرساء ديمقراطية الانتقاء: وهو ما يتجلى من خلال مراجعة آليات اشتغال لجنة انتقاء طلبات العروض لضمان تكافؤ الفرص، وفتح الباب أمام الطاقات الشابة والمبدعين الحقيقيين بعيداً عن منطق الاحتكار والمحسوبية.
*ربط التمويل بالجودة: اعتماد نظام “الجزاء مقابل الجودة”، بحيث يتم ربط الدفعات المالية لشركات الإنتاج بمدى تحقيق العمل لأهدافه المسطرة وبمعايير فنية مقبولة.
*إحداث مرصد وطني لتقييم المحتوى: إحداث مرصد عمومي يضم خبراء في الإعلام، السوسيولوجيا، والفيلم، تكون مهمته تقييم الأثر القيمي والتربوي والثقافي للإنتاجات قبل وبعد العرض.
*الاستثمار في السيناريو: نؤكد أن أزمة الإنتاج التلفزيوني المغربي هو “أزمة كتابة” بالأساس، لذا يجب الاستثمار في ورشات كتابة احترافية تبتعد عن لغة “الارتجال” و”الإسقاط”.
*تفعيل المحاسبة الإعلامية: دعوة المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري (الهاكا) للتشدد في مراقبة مدى التزام القنوات العمومية بـ “الخدمة العامة” وليس فقط الضوابط التقنية.
*يدعو المركز إلى “إنقاذ” القناة الثامنة من حالة الركود الحالية عبر الرفع من ميزانية الإنتاج، وفتح الباب أمام شركات الإنتاج المتخصصة والمبدعين الذين يمتلكون رؤية فنية حداثية، بعيداً عن منطق “الوصاية” أو “الإنتاج تحت الطلب” الذي أفرغ القناة من إشعاعها المفترض.
*قطع الطريق أمام لوبيات الإعلام وأمام كل من يستغل الاعلام الأمازيغي مطية لتحقيق المصالح المادية الشخصية، من شركات انتاج ومتدخلين ووسطاء وموظفين وغيرهم، وتعريضهم للمساءلة القانونية إذا ثبت في حقهم ذلك.
إن المركز المغربي للتنمية والإعلام والفيلم، إذ يصدر هذا البلاغ، فإنه يؤكد أن إصلاح الإعلام هو جزء لا يتجزأ من الإصلاح التنموي الشامل الذي انخرطت فيه بلادنا بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، والمشاهد المغربي يستحق إعلاماً يرقى لمستوى طموحاته وتاريخه الحضاري وحجم انتظاراته التنموية القادمة.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


