المهرجانات الخطابية في المؤتمرات الحزبية… بين استعراض القوة وصناعة الوهم السياسي

abdelaaziz624 مايو 2026آخر تحديث :
المهرجانات الخطابية في المؤتمرات الحزبية… بين استعراض القوة وصناعة الوهم السياسي

بقلم: وهيبة الوردي

في كل محطة انتخابية أو مؤتمر حزبي بالمغرب، تعود نفس الصور إلى الواجهة: قاعات ممتلئة، أعلام ترفرف، هتافات جماعية، وتصفيق طويل يتجاوز أحياناً مضمون الكلمات نفسها. تتحول المؤتمرات الحزبية إلى ما يشبه “المهرجانات الخطابية” التي يُراد لها أن تعطي انطباعاً بأن الحزب يعيش حالة تعبئة جماهيرية قوية، وأنه يمتلك قاعدة شعبية واسعة قادرة على الحشد والتأثير. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تعكس هذه المشاهد قوة تنظيمية حقيقية؟ أم أنها مجرد رسائل موجهة إلى الدولة والرأي العام لإثبات الحضور السياسي ولو بشكل مصطنع؟

 

لقد أصبح واضحاً أن جزءاً كبيراً من المشهد الحزبي المغربي يعيش أزمة ثقة عميقة مع المجتمع، خصوصاً فئة الشباب وسكان المدن الكبرى وحتى المناطق شبه القروية. لذلك تلجأ بعض الأحزاب إلى منطق “الاستعراض الجماهيري” لتعويض ضعف الامتداد الفكري والتنظيمي. فالصورة أصبحت أهم من الفكرة، وعدد الحاضرين أهم من نوعية النقاش السياسي، فيما تحولت بعض المؤتمرات إلى سباق في إظهار القدرة على تعبئة الحافلات والولائم والولاءات المحلية أكثر من تقديم تصورات حقيقية للمجتمع.

 

في العمق، تدرك الأحزاب أن الدولة تراقب دائماً حجم حضورها الميداني وقدرتها على التحكم في قواعدها الانتخابية والتنظيمية. لذلك تصبح المهرجانات الخطابية رسالة مزدوجة: رسالة إلى الخصوم السياسيين بأن الحزب “قوي”، ورسالة إلى مراكز القرار بأنه ما زال قادراً على تأطير جزء من المجتمع وضمان الاستقرار الانتخابي. وهنا يتحول المؤتمر من فضاء للنقاش الديمقراطي إلى مسرح لإثبات الولاء التنظيمي واستعراض النفوذ الترابي للأعيان والمنتخبين.

 

ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أن الحضور العددي لا يعني بالضرورة وجود اقتناع سياسي. فكثير من المؤتمرات تُبنى على شبكات المصالح المحلية، وعلى علاقات الزبونية والامتيازات، أكثر مما تُبنى على الالتزام الفكري أو الإيمان بالمشروع الحزبي. ولهذا نلاحظ أن بعض الأحزاب التي تملأ القاعات في مؤتمراتها تعجز لاحقاً عن تعبئة الشارع أو الدفاع عن قراراتها حين تواجه الغضب الشعبي. فالجماهير التي تُحشد بالصوت المرتفع ليست دائماً جماهير مؤمنة بالفعل السياسي.

 

كما أن الخطاب داخل هذه المهرجانات غالباً ما يتحول إلى خطاب عاطفي وشعبوي، يعتمد على التهجم على الخصوم أو تمجيد الزعيم أكثر من تقديم حلول دقيقة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية. وتصبح المنصة فضاءً لإعادة إنتاج نفس الوجوه ونفس الشعارات التي استهلكها الزمن السياسي المغربي، بينما يغيب النقاش الحقيقي حول التعليم والصحة والبطالة والعدالة المجالية. وكأن الغاية الأساسية ليست إقناع المواطن، بل إقناع الدولة بأن الحزب ما زال يمتلك “وزناً انتخابياً” يمكن الاعتماد عليه داخل التوازنات السياسية.

 

ومع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الأحزاب أكثر حرصاً على إنتاج صور ضخمة لمؤتمراتها، لأن المعركة اليوم لم تعد فقط داخل صناديق الاقتراع، بل أيضاً داخل الفضاء الرقمي. صورة القاعة الممتلئة أصبحت أداة دعائية تُستعمل لإعطاء الانطباع بأن الحزب يعيش “زخماً شعبياً”، حتى وإن كانت القواعد الحقيقية منهكة أو فاقدة للحماس. وهنا يظهر الفرق بين التنظيم الحقيقي والتنظيم المناسباتي؛ فالتنظيم القوي لا يُقاس بعدد الكراسي المملوءة في مؤتمر، بل بقدرته على إنتاج نخب جديدة، وتأطير المجتمع، والاستمرار في العمل خارج المواسم الانتخابية.

 

إن الأحزاب التي تمتلك قوة تنظيمية حقيقية لا تحتاج دائماً إلى الضجيج لإثبات وجودها، لأن حضورها يظهر في النقابات والجمعيات والجامعات والشارع والنقاش العمومي. أما الأحزاب التي تعيش أزمة داخلية، فإنها غالباً ما تلجأ إلى المهرجانات الخطابية كتعويض نفسي وسياسي عن ضعف الامتداد الشعبي الحقيقي.

 

المشكلة اليوم ليست في عقد المؤتمرات أو تنظيم التجمعات، فذلك جزء طبيعي من العمل السياسي، بل في تحويل السياسة إلى فرجة جماهيرية فارغة من المضمون. فالمواطن المغربي لم يعد يبحث عن زعيم يصرخ فوق المنصة، بل عن حزب يقدم حلولاً واقعية ويحترم ذكاء الناس. لذلك فإن مستقبل الأحزاب لن يُحسم بحجم مكبرات الصوت ولا بعدد الحافلات، بل بمدى قدرتها على استعادة الثقة المفقودة بين السياسة والمجتمع.

 

وفي النهاية، قد تنجح المهرجانات الخطابية في صناعة صورة مؤقتة للقوة، لكنها لا تستطيع إخفاء حقيقة أساسية: التنظيم السياسي الحقيقي يُبنى بالأفكار والكفاءات والثقة الشعبية، لا بالتصفيق العابر والاحتفالات الموسمية.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading