عيد الأضحى بين روح الشعيرة والمضاربة الاقتصادية

abdelaaziz625 مايو 2026آخر تحديث :
عيد الأضحى بين روح الشعيرة والمضاربة الاقتصادية

 الباحثة: نعيمة عتماني

 قال تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾. مع اقتراب عيد الأضحى من كل سنة، تتجدد فرحة الأسر المغربية بهذه الشعيرة الدينية العظيمة التي شرعها الله تعالى إحياءً لمعاني الطاعة والتقرب والتراحم والتكافل الاجتماعي. غير أن هذه المناسبة المباركة أصبحت في السنوات الأخيرة تثقل كاهل فئات واسعة من المواطنين بسبب الارتفاع المبالغ فيه في أسعار الأضاحي، وما يرافقه من ممارسات احتكارية ومضاربات تبتعد عن القيم الأخلاقية والدينية التي قامت عليها هذه السنة المؤكدة. فالأضحية في جوهرها ومقصدها الشرعي ليست مجالا للاستغلال، ولا موسما لتحقيق الأرباح الفاحشة على حساب حاجات الناس وظروفهم الاجتماعية، بل هي عبادة ترتبط بمعاني الرحمة والإحسان والتوسعة على الأهل وإدخال البهجة على القلوب. ولعل تحويل هذه المناسبة إلى سوق للمزايدات والجشع يفقدها كثيرا من بعدها الإنساني والروحي، ويزرع شعورا بالحزن والعجز لدى أسر بسيطة تجد نفسها غير قادرة على مجاراة هذا الارتفاع غير المبرر في الأسعار.

ومن المؤسف أن بعض الوسطاء والمضاربين يستغلون الإقبال الكبير على اقتناء الأضاحي لرفع الأثمان بشكل عشوائي، دون مراعاة للظروف الاقتصادية الصعبة التي تجتازها فئات عريضة من المجتمع. فالدين الإسلامي لم يربط يوما الشعائر التعبدية بمنطق الاحتكار والطمع، وإنما دعا إلى الرفق بالعباد والتيسير عليهم، وجعل من المعاملة الأخلاقية أساسا لكل نشاط اقتصادي وتجاري؛ امتثالا لقوله عز وجل:لا﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، واهتداء بنهج الرسول صلى الله عليه وسلم الذي حذر من كل صور الإضرار بالناس والتضييق عليهم في معاشهم وأرزاقهم.

ومن هذا المنطلق، فإن الواجب الأخلاقي والديني يفرض على مختلف المتدخلين في سوق الأضاحي، من كسابة وتجار ووسطاء، أن يتحلوا بروح المسؤولية والاعتدال، مستحضرين أن المعاملات القائمة على الرحمة والصدق هي أساس البركة والاستقرار. وفي المقابل، يقتضي هذا الوضع من الجهات المسؤولة عن تدبير السياسات العمومية، وفي مقدمتها وزارة الفلاحة، تعزيز آليات المراقبة والتنظيم بما يضمن حماية القدرة الشرائية للمواطنين، والحد من مظاهر المضاربة والاستغلال عبر زجر الوساطة غير المشروعة.

كما أن المجتمع اليوم مدعو، أكثر من أي وقت مضى، إلى القطع مع مظاهر التفاخر والمنافسة الاستهلاكية التي تدفع بعض الأسر إلى الاستدانة وتحمل أعباء تفوق قدرتها الفعلية لمجاراة الأعراف المظهرية؛ فالعيد لم يشرع ليكون مصدرا للضغط النفسي والطبقي، بل واحة لإحياء قيم التآزر وصلة الرحم. إن حماية قدسية هذه الشعيرة هي مسؤولية تضامنية متكاملة؛ تبدأ من اليقظة الأخلاقية في ضمير المربي، وتمر عبر عقلنة السلوك الاستهلاكي للمواطن، وتكتمل بالحزم التنظيمي للدولة.

 إن غياب البعد الأخلاقي والرحمة في هذه المحطات يفرغ المناسبة الدينية من روحها ومقاصدها النبيلة، فتتحول من مواسم للسكينة والتراحم إلى مصدر للضغط الاجتماعي والمعاناة الاقتصادية للأسر. غير أن الرسالة الأسمى لعيد الأضحى تظل قائمة على التقرب إلى الله بالإخلاص والعمل الصالح؛ فالتقوى والرحمة هما الجوهر الحقيقي للشعيرة، والأساس الذي تقوم عليه كل معاملة تحفظ كرامة الإنسان وتعزز قيم التضامن والتكافل داخل المجتمع.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading