تداعيات تنظيم الكان 2025 بالمغرب بين مخططات التفكيك وآليات التوطيد

ناشر الموقع29 يناير 2026Last Update :
تداعيات تنظيم الكان 2025 بالمغرب بين مخططات التفكيك وآليات التوطيد

الدكتور محمد شقير

 

لم يكن تنظيم المغرب لكأس إفريقيا في نسختها الخامسة والثلاثين تنظيماً لتظاهرة رياضية أو كروية عادية، بل كان تنظيماً يندرج ضمن سياق تنافس جيوستراتيجي حاد وتنافس إقليمي، خاصة مع الجزائر. ولعل إدراك النظام الجزائري لهذا المعطى دفعه إلى تعبئة كل آلياته الدعائية واللوجستيكية والسياسية لنسف الجهود التنظيمية واللوجستيكية التي بذلها المغرب لإنجاح هذه التظاهرة.

 

استضافة المغرب لكأس إفريقيا والإشعاع الإقليمي

 

أشارت بعض الدراسات المختصة في المجال الرياضي إلى اتجاه الدول مؤخراً لاستخدام الرياضة كقوة ناعمة، وذلك عبر سعيها إلى استضافة الألعاب الرياضية واستخدام مثل هذه الأحداث لتنشيط الدبلوماسية العامة. فقد زاد تنافس الدول على استضافة التظاهرات الرياضية البارزة، وبالأخص إقصائيات كرة القدم القارية (كأس آسيا، كوبا أمريكا اللاتينية، كأس إفريقيا) أو العالمية، المتمثلة في التنافس على تنظيم كأس العالم.

 

وفي هذا السياق، سعى المغرب إلى التنافس على استضافة كأس إفريقيا أو الترشح للفوز بتنظيم كأس العالم لكرة القدم. إذ يبدو أن عودة المغرب للانضمام إلى الاتحاد الإفريقي كانت تندرج ضمن استراتيجية ملكية شمولية تقوم على تكريس المغرب كقوة إقليمية. فالمستجدات التي يعرفها العالم، سواء من حيث تغير هرمية القوى العالمية، خاصة مع صعود قوى جديدة على رأسها الصين، جعلت من إفريقيا رهانا اقتصاديا واستراتيجيا، خصوصاً في بداية القرن الحادي والعشرين.

 

ولعل هذا المستجد هو الذي جعل المغرب يبلور استراتيجية خاصة بإفريقيا تتخذ عدة أبعاد اقتصادية ودينية وسياسية وأمنية، وكذا رياضية. وبالتالي، شكلت بطولة كأس إفريقيا للأمم 2025 منعطفاً مهماً في مجال تنظيم التظاهرات الكروية الإفريقية، وذلك من خلال توفير 24 ملعباً لتداريب المنتخبات، وهو أمر لم يحدث قط في تاريخ هذه البطولة القارية العريقة.

 

وتهدف هذه الآلية المبتكرة والمهيكلة إلى توفير ظروف إعداد مواتية للمنتخبات، مع الحرص على ضمان التكافؤ الرياضي والنجاعة اللوجستيكية. فلأول مرة في تاريخ تنظيم كؤوس إفريقيا، خُصص لكل فريق من المنتخبات الـ24 المؤهلة إلى هذه النسخة ملعب رسمي للتداريب خاص به، يضم كل مستلزمات الإعداد البدني والتقني والتكتيكي. وقد جرى اختيار هذه الملاعب الموزعة على مختلف جهات المملكة حسب معايير حددتها الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، لاسيما ما يتعلق بجودة البنيات التحتية وسهولة الولوج والأمن والقرب من ملاعب التباري.

 

وقد ساهم هذا الإجراء اللوجستيكي، على المستوى الرياضي، في ضمان تقديم أداء كروي جيد. فوضع بنيات تدريبية رياضية عصرية مخصصة لهذه المنتخبات مكّنها من الاستعداد لمبارياتها في ظروف متشابهة، مما أتاح لها سرعة التعافي البدني وانسجام المجموعة. كما ساهمت هذه البنيات في تقليص حدة العوائق المرتبطة بالتنقلات، والتي غالباً ما نُظر إليها في النسخ الماضية على أنها عامل مسبب للتعب.

 

وبالإضافة إلى البعد الرياضي، لعبت هذه الملاعب التدريبية دوراً مركزياً في التنظيم اللوجستي لكأس إفريقيا للأمم 2025، لأنها أتاحت وضع خطط أفضل لتحركات المنتخبات، وتنسيقاً فعالاً مع السلطات المحلية، وإدارة ناجعة للتدفقات، سواء بالنسبة للوفود أو المصالح الأمنية. كما ساهمت هذه المقاربة في انسيابية البطولة وضمان احترام المعايير الدولية.

 

وهكذا، فإن تهيئة 24 ملعباً تدريبياً عكست كذلك طموح المملكة في جعل كأس إفريقيا للأمم 2025 نسخة مرجعية. فلتعزيز الحضور الجماهيري خلال هذه التظاهرة، أطلقت السلطات المغربية سلسلة من التدابير المبتكرة، من أبرزها اعتماد تأشيرة مجانية عبر تطبيق “يلا”، تمكّن حاملي تذاكر المباريات وبطاقات المشجعين (Fan ID) من ولوج التراب الوطني بسهولة ويسر.

 

كما تم تعزيز البنية التحتية والخدمات اللوجستيكية وتطوير المنصات الرقمية لضمان انسيابية تنقل الجماهير داخل وخارج الملاعب، ومواكبة الأعداد المتزايدة من الزوار في أفضل الظروف. وفي هذا الصدد، تم إحداث خلية للتواصل والتنسيق بين اللجنة المحلية والبعثات الدبلوماسية الإفريقية، بهدف حل الإشكالات وتبسيط المساطر المرتبطة بتنقل وإقامة المنتخبات وجميع الترتيبات اللوجستيكية المصاحبة.

 

غير أن ما أثار إشادة المنتخبات المشاركة في هذه البطولة الإفريقية واستحسان الكثير من عشاق كرة القدم، هو عدم تأثر أرضية الملاعب المغربية بالتساقطات المطرية التي هطلت بغزارة خلال بعض مباريات النسخة الحالية من كأس إفريقيا 2025، خاصة بملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، الذي احتضن حفل افتتاح البطولة والمباراة الأولى بين المغرب وجزر القمر، حيث ظلت أرضية الملعب صالحة للعب بشكل كامل.

 

وتكرر الأمر نفسه خلال مباراة تونس وأوغندا التي جرت على الملعب الأولمبي بالرباط، حيث لم يواجه اللاعبون أي مشاكل في أرضية الملعب رغم السيول التي ضربت المدينة، فغابت البرك المائية وتحركت الكرة بشكل طبيعي وكأن شيئاً لم يحدث. ويعود الفضل في ذلك إلى نظام تكنولوجي متطور يسمى “ساب إير” (SubAir)، يتيح امتصاص المياه بكفاءة عالية ويحافظ على جودة العشب من خلال ضبط معايير مختلفة مثل التهوية والتصريف والتنظيم الحراري لأرضية الملعب.

 

المخطط الجزائري لتبخيس نجاحات تنظيم المغرب للكان

 

إن انخراط المملكة في مشاريع تنموية استراتيجية همّت، على الخصوص، تطوير البنيات التحتية الرياضية ضمن رؤية استراتيجية متكاملة، كان يهدف إلى تقديم بطولة غير مسبوقة تترك إرثاً قارياً طويل الأمد. لتكون كأس أمم إفريقيا المغرب 2025 أكثر من مجرد بطولة لكرة القدم، فهي تتجه لتكون احتفالاً قارياً ولحظة فارقة تجسد الوحدة الإفريقية، وواجهة تبرز القدرات التنظيمية لمغرب يجمع بين الأصالة والمعاصرة.

 

كما لا يقتصر رهان “كان 2025” على الجانب الرياضي فحسب، بل كان يمثل أيضاً فرصة للمغرب لتأكيد مكانته كقطب رياضي إفريقي رائد، من خلال احتضان المملكة خلال السنوات الأخيرة عدداً من المنافسات الكبرى، أبرزها كأس العالم للأندية (2022)، وكأس أمم إفريقيا للاعبين المحليين (2018)، وكأس أمم إفريقيا للسيدات (2022 و2024)، فضلاً عن كأس أمم إفريقيا لأقل من 17 سنة، وكأس العالم للسيدات لأقل من 17 سنة (2025).

 

وبالتالي، فقد عكست هذه الدينامية تحويل هذا الموعد القاري إلى فرصة استثنائية لإبراز المكانة الإقليمية للمملكة على الصعيد القاري، رياضياً وسياسياً، خاصة في إطار تعبئة المملكة لجهودها الدبلوماسية والسياسية لتنزيل مبادرة الحكم الذاتي التي أقرها مجلس الأمن من خلال قراره 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025.

 

ولعل هذا ما دفع النظام الجزائري إلى حشد كل آلياته الدعائية والاستخباراتية لمحاولة نسف مختلف هذه الإنجازات. فبعد فشل الجزائر في الفوز بتنظيم هذه التظاهرة الكروية الإفريقية واختيار المغرب دولة منظمة لهذه النسخة، سعى الإعلام الجزائري الرسمي إلى الترويج بأن المغرب ليس مستعداً لتنظيم الكان، في حين انخرط الذباب الإلكتروني الجزائري بشكل كبير في تأجيج احتجاجات جيل Z بغرض إجهاض تنظيم المغرب لهذه التظاهرة التي لم يتبق على موعدها سوى شهرين.

 

لكن هذا المخطط كان فاشلاً، لا في مضمونه ولا في توقيته ولا في أساليبه، خاصة مع تنامي الوعي الشعبي للمغاربة، وخصوصاً الشباب، وحنكة السلطات العمومية. وقد انعكس ذلك من خلال افتتاح ملعب الأمير مولاي عبد الله وإنجازه في ظرف قياسي من طرف شركات مغربية 100%.

 

ومع افتتاح هذه التظاهرة الكروية الإفريقية، عمل المخطط الجزائري على تأليب الرأي العام الجزائري ضد المغرب والمغاربة، واختلاق مجموعة من الأكاذيب، كادعاء انقطاع الكهرباء عن الملاعب، أو غرق أرضياتها بسبب هطول الأمطار، والتبول في المدرجات من طرف بعض المؤثرين الجزائريين، وتهافت الصحفيين الجزائريين على مشتقات الحليب، والتهجم على الحكام، إلخ.

 

وهي أحداث سمحت للمغرب، خاصة الأمن والمنظمين، بتسجيل نقاط مهمة في إطار حرب الصورة. فعكس مخطط النظام الجزائري، سمح حضور عدد من الجماهير الجزائرية القادمة من أوروبا بنقل الصورة الحقيقية للتطور الذي حققه المغرب، وللسلوك الحضاري والمعاملة الراقية للمغاربة تجاه الجزائريين، وهو ما سبب صدمة أخرى للنظام الجزائري وأفشل خططه التخريبية في التشويه وقلب الحقائق.

 

المخطط الجزائري لنسف التقارب المغربي السنغالي

 

عرفت المباراة النهائية التي جمعت المنتخب السنغالي بالمنتخب المغربي، البلد المنظم، اندلاع أحداث عنف مباشرة بعد احتجاج عدد من مشجعي المنتخب السنغالي على قرار الحكم الكونغولي احتساب ركلة جزاء لصالح المنتخب المغربي، وقرار مدرب السنغال دعوة اللاعبين إلى الانسحاب، مما نجم عنه خسائر مادية جراء تخريب المقاعد والشاشات والتجهيزات الداخلية، قدرت قيمتها ما بين 300 ألف و700 ألف يورو.

 

ولولا تضييع اللاعب دياز ركلة الجزاء، وتتويج المنتخب السنغالي باللقب عقب فوزه على نظيره المغربي بهدف دون رد، لتحولت المباراة النهائية إلى مجزرة دموية بين مشجعي المنتخبين. إذ على الرغم من إلقاء الشرطة المغربية القبض على 18 مشجعاً سنغالياً، بالإضافة إلى مشجع جزائري، للاشتباه في تورطهم بأعمال الشغب، فقد تم استغلال هذا الوضع، خاصة من طرف الدعاية الجزائرية ووسائل التواصل الاجتماعي بالجزائر، لتسميم الأجواء بين البلدين ومحاولة دق إسفين الفرقة السياسية والدبلوماسية بين السنغال والمغرب.

 

خاصة وأن السنغال شكلت منذ عقود حليفاً استراتيجياً للمغرب بإفريقيا، ومساندة للموقف المغربي بشأن استرجاع أقاليمه الصحراوية، وكانت من بين أول الدول الإفريقية التي اعترفت بمغربية الصحراء، حيث اختارت السنغال مدينة الداخلة لفتح قنصلية عامة.

 

ولاحتواء هذا الوضع وتفويت فرصة توظيفه سياسياً ودبلوماسياً من طرف أجهزة النظام الجزائري، سارع الديوان الملكي إلى إصدار بلاغ يؤكد إعادة الأمور إلى نصابها، مشيراً إلى أن “ما وقع في المباراة النهائية لبطولة كأس أمم إفريقيا بين المنتخبين المغربي والسنغالي لن ينال من التقارب الذي نُسج على مدى قرون بين الشعوب الإفريقية…”.

 

وعموماً، فعلى الرغم من بعض التداعيات السلبية الناجمة عن المباراة النهائية، فقد خرج المغرب من خلال تنظيم الكان رابحاً على كل المستويات:

 

إعلامياً: عبر تسويق صورة إيجابية عن المملكة وعن التطور التنموي وجودة البنية التحتية الرياضية والسياحية والعمرانية ومنظومة النقل العصرية.

 

اقتصادياً: حيث أعلن وزير الصناعة عن ربح مليار دولار من التنظيم، مع مستويات استهلاك مرتفعة ونشاط سياحي استثنائي أوصل المغرب إلى سقف 20 مليون سائح سنة 2025.

 

رياضياً: من خلال تبوؤ المنتخب المغربي المرتبة الثامنة عالمياً في ترتيب الفيفا وبلوغ النهائي، مع ربح عدد من العناصر الشابة.

 

تنظيمياً: بشهادة الإعلام الدولي ومسؤولي الفيفا والكاف، وإظهار الاستعداد للمشاركة في تنظيم كأس العالم 2030.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

Breaking News

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading