عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.
تكشف التحركات الأخيرة لجبهة البوليساريو الانفصالية في العواصم الغربية، وخصوصًا محاولتها طرق أبواب واشنطن، عن حقيقة باتت واضحة في دوائر القرار الدولي: هذا الكيان الوهمي لم يعد فاعلًا سياسيًا، بل أصبح عبئًا دبلوماسيًا يُدار من خارج إرادته، ويعيش على هامش نظام دولي أعاد ترتيب أولوياته ومعاييره.
فالزيارة التي سُوّق لها إعلاميًا النظام العسكري الجزائري على أنها اختراق محتمل، انتهت عمليًا إلى تكريس واقع سياسي صارم: لا حل لقضية الصحراء المغربية خارج إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وهو موقف لم يعد مجرد رأي دولة، بل يعكس توجّهًا دوليًا متراكمًا، تبلور داخل مجلس الأمم المتحدة، وتحوّل إلى مرجعية شبه نهائية في مقاربة هذا النزاع الإقليمي المفتعل.
ما يلفت الانتباه في تحركات جبهة البوليساريو الانفصالية ليس فقط فشلها المتكرر في تحقيق أي مكسب سياسي، بل الفراغ البنيوي في قرارها الدبلوماسي. فالوفود التي تتحرك باسم “الجبهة” لا تمتلك هامش مناورة حقيقي، وتضطر في كل محطة إلى العودة للتشاور مع قيادات موجودة خارج أي شرعية انتخابية، وتحت وصاية مباشرة للنظام العسكري الجزائري.
هذا الواقع يعكس خللًا جوهريًا: كيف لكيان يدّعي تمثيل “شعب” أن يعجز عن اتخاذ قرار مستقل، أو طرح مبادرة سياسية قابلة للنقاش؟ وكيف يمكن لمجتمع دولي يبحث عن حلول واقعية عقلانية أن يتعامل مع طرف لا يملك من أمره سوى الخطاب والشعارات المستهلكة ويحركه “قصر المرادية”؟
لم يعد خافيًا أن جبهة البوليساريو ليست سوى أداة وظيفية في سياسة إقليمية جزائرية، صاغها جنرالات المؤسسة العسكرية منذ عقود، بهدف إدامة نزاع يخدم حسابات داخلية وإقليمية، أكثر مما يخدم أي مصلحة حقيقية للسكان المحتجزين في مخيمات تندوف.
الدعم اللوجستي، والدبلوماسي، والمالي، وحتى تحركات الوفود، تمر كلها عبر القنوات الجزائرية، في مشهد يؤكد أن النزاع لم يكن يومًا “تصفية استعمار”، بل نزاعًا إقليميًا صُنع واستُثمر فيه سياسيًا.
الأخطر في مسار البوليساريو الانفصالية اليوم، هو انتقالها من مجرد حركة انفصالية معزولة سياسيًا، إلى كيان تلاحقه شبهات أمنية متزايدة. فخلال السنوات الأخيرة، تعالت أصوات داخل برلمانات ومراكز بحث غربية تُحذّر من:
تداخل عناصر من الجبهة مع شبكات تهريب المخدرات والسلاح في الساحل
تقاطعات مقلقة مع جماعات متطرفة ارهابية تنشط في المنطقة
هشاشة أمنية داخل مخيمات تندوف خارج أي رقابة قانونية دولية يسيطر عليها النظام العسكري الجزائري
ورغم غياب تصنيف دولي شامل حتى الآن، إلا أن الاتجاه العام في الخطاب الأمني الغربي بات ينظر إلى البوليساريو كمنظمة ارهابية وخطر محتمل على الاستقرار الإقليمي، لا كحركة تحرر، وهو تحول نوعي في صورتها الدولية.
في المقابل، يواصل المغرب تثبيت موقعه كطرف مسؤول وذي مصداقية، عبر طرح متماسك للحكم الذاتي، يُنظر إليه اليوم كحل عملي يوازن بين السيادة والاستقرار والتنمية. ولم يعد هذا الطرح مجرد مبادرة مغربية، بل إطارًا سياسيًا تتقاطع حوله مواقف قوى دولية وازنة.
التحول اللافت هو أن المجتمع الدولي لم يعد يسأل: “هل الحكم الذاتي ممكن؟” بل أصبح يسأل: “متى وكيف سيتم تنزيله؟” وهو ما يضع الأطراف الرافضة أمام عزلة سياسية خانقة.
ما تكشفه التحركات الأخيرة للبوليساريو الانفصالية هو نهاية مرحلة كاملة من الوهم السياسي: وهم العودة إلى أطروحات الاستفتاء، ووهم كسب تعاطف دولي بخطاب تجاوزه الزمن، ووهم إمكانية فرض أمر واقع خارج موازين القوى الدولية.
اليوم، يتجه الملف بثبات نحو الحسم السياسي، وتضييق الخيارات أمام كل من يرفض الانخراط في حل واقعي. أما الكيانات التي تواصل الرهان على تعطيل المسار، فإنها تخاطر بأن تجد نفسها خارج الشرعية السياسية، وربما مستقبلًا خارج الشرعية القانونية أيضًا.
في عالم يتغير بسرعة، لم يعد هناك متسع لحركات تعيش على الصراع، ولا لأنظمة توظف النزاعات للهروب من أزماتها الداخلية. و جبهة البوليساريو، في صورتها الحالية، تبدو المثال الأوضح على كيان لم يدرك بعد أن الزمن الدبلوماسي لا يرحم من يرفض التكيّف مع الحقائق.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

