بقلم: محمد سعد عبد اللطيف ،،
لم يعد المشهد اليمني قابلًا للقراءة من زاوية الداخل وحده، ولا يمكن اختزاله في صراع على السلطة أو تنازع بين شرعيات متناحرة. فاليمن، بحكم موقعه ووظيفته الجيوسياسية، تحوّل إلى ساحة اختبار مفتوحة لإعادة تشكيل توازنات الإقليم، من الخليج العربي إلى القرن الإفريقي، ومن باب المندب إلى قلب الصراع الإيراني–الغربي.
التحرك السعودي الأخير ضد شحنات عسكرية وُجّهت إلى قوات جنوبية مدعومة إماراتيًا لم يكن تعبيرًا عن خلاف تكتيكي، بل كاشفًا عن تصدّع أعمق في مقاربة الحرب نفسها. فبعد سنوات من القتال تحت شعار “وحدة اليمن واستعادة الدولة”، بات واضحًا أن الدولة لم تُستعد، وأن الوحدة لم تعد إطارًا جامعًا بقدر ما أصبحت عبئًا سياسيًا يُستخدم لتجميد الواقع لا لمعالجته.
في الجنوب، يتبلور مشروع سياسي لا يستمد زخمه من السلاح وحده، بل من شعور تراكمي بالغبن التاريخي منذ وحدة 1990، ومن قدرة نسبية على فرض نموذج مختلف للحكم والأمن. هذا المشروع لا يتحرّك في فراغ، بل في لحظة إقليمية تعيد فيها الدول تعريف أولوياتها: أمن الملاحة، محاصرة الجماعات المتطرفة، وكبح تمدد النفوذ الإيراني عبر الوكلاء.
ففي الشمال، تكرّس جماعة الحوثي حضورها كقوة أمر واقع، مرتبطة عضوياً بالمشروع الإيراني في الإقليم، ومتصلة بسلسلة نفوذ تمتد من جنوب لبنان إلى العراق وسوريا. هذا الامتداد لا يهدد اليمن فحسب، بل يضع البحر الأحمر ضمن معادلة الردع الإقليمي، ويحوّل الممرات البحرية إلى أوراق ضغط في صراع أكبر من حدود الدولة اليمنية.
أما في الشرق والجنوب، حيث تتقاطع خطوط الطاقة مع الموانئ والمضائق، فإن المعركة تأخذ طابعًا مختلفًا. هنا لا يدور الصراع حول هوية الدولة فقط، بل حول من يملك القدرة على إدارة الجغرافيا الحساسة التي تربط آسيا بإفريقيا، والخليج بالمحيط الهندي. ولهذا، لم يكن الحضور الإماراتي في الجنوب تفصيلًا عابرًا، بل جزءًا من رؤية أوسع لحماية خطوط التجارة وتأمين العمق البحري في مواجهة فوضى إقليمية متصاعدة.
الإشكالية أن الإصرار الدولي — وخصوصًا الأمريكي — على التمسك بصيغة “يمن موحد” بات أقرب إلى الدفاع عن إطار نظري لم يعد قائمًا فعليًا. فالواقع يقول إن اليمن منقسم إداريًا، عسكريًا، وسياسيًا، وإن إدارة هذا الانقسام بوعي قد تكون أقل كلفة من إنكاره.
إن تصوير المطالب الجنوبية باعتبارها تهديدًا للاستقرار يتجاهل حقيقة أن الاستقرار غائب أصلًا. كما أن ربط “الوحدة” بالشرعية، وربط “الانفصال” بالفوضى، هو تبسيط مخلّ لتجربة معقدة أثبتت أن الدول لا تُقاس باتساع حدودها، بل بقدرتها على الحكم العادل والفعال.
من زاوية استراتيجية، قد يكون الاعتراف بحق الجنوبيين في تقرير مصيرهم — ضمن مسار قانوني، تدريجي، وتحت رقابة دولية — خطوة لإعادة ضبط الصراع لا لتفجيره. فالتجارب الإقليمية، من السودان إلى ليبيا، أثبتت أن تجاهل التصدعات البنيوية لا يحفظ الدول، بل يتركها معلّقة بين الحرب والسلام.
اليوم، تقف اليمن عند مفترق تاريخي يعكس أزمة أوسع في الشرق الأوسط: أزمة أنظمة سياسية موروثة، وحدود رُسمت دون توافق، وشرعيات تُدار من الخارج أكثر مما تُبنى من الداخل. وفي هذا السياق، لا يبدو سؤال جنوب اليمن استثناءً، بل جزءًا من إعادة طرح سؤال الدولة ذاته في الإقليم.
الرهان الحقيقي ليس على وحدة شكلية تُدار بالأزمات، بل على صيغة واقعية تقلّل منسوب العنف، وتغلق مسارات التطرف، وتحمي الجغرافيا من التحول إلى منصة صراع دائم. أما الإصرار على إدارة اليمن بعقلية ما قبل التحولات الكبرى، فقد لا يكون دفاعًا عن الاستقرار، بقدر ما هو تأجيل لانفجار مؤجل…،،!! محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ،،!
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

