د. محمد شقير
منذ اعتلاء الملك محمد السادس عرش المملكة، دأب على استقبال السفراء الأجانب الذين يقدمون أوراق اعتمادهم في مراسم رسمية تجري وفق الأعراف والبروتوكول المخزني المعهود بالقصر الملكي. غير أن حفل الاستقبال الذي احتضنه القصر الملكي بالرباط يوم الخميس 26 فبراير 2026، لعدد من السفراء الذين قدموا أوراق اعتمادهم كسفراء مفوضين فوق العادة، اتخذ طابعا دبلوماسيا مميزا، سواء من حيث الرتبة الدبلوماسية لهؤلاء المبعوثين أو من حيث السياق الدولي والإقليمي الذي جرت فيه هذه المراسيم.
مراسيم استقبال السفراء فوق العادة
تميّز هذا الاستقبال بحضور لافت في باحة القصر الملكي، حيث بُسط السجاد الأحمر واستُعرض حرس الشرف على أنغام فرقة الحرس الملكي، في أجواء اتسمت بطابع احتفالي خاص. وقد شملت المراسيم استقبال واحد وعشرين سفيرا يمثلون دولا من إفريقيا وأوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية وأوقيانوسيا، من بينهم سفراء الفاتيكان، زامبيا، الكوت ديفوار، الغابون، كينيا، الدانمارك، هولندا، الأرجنتين، غانا، سويسرا، إثيوبيا، غواتيمالا، أستراليا، سيراليون، مالاوي، الهند، بلجيكا، بنما، مصر، ليبيريا واليابان.
وقد جرى استقبالهم تباعا بقاعة العرش لتقديم أوراق اعتمادهم بحضور الحاجب الملكي ووزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج. وتعكس هذه المراسيم العريقة المكانة التي تحظى بها رتبة “السفير فوق العادة والمفوض”، وهي رتبة دبلوماسية رفيعة تعود جذورها إلى التنظيم الذي أقره مؤتمر فيينا سنة 1815، حين تم إرساء نظام المراتب الدبلوماسية المعتمد في القانون الدولي.
ويُعد السفير فوق العادة والمفوض ممثلا مباشرا لرئيس دولته أو ملكها، ويتمتع بصلاحيات واسعة في التفاوض وإبرام الاتفاقيات، فضلا عن الحصانات والامتيازات المنصوص عليها في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لسنة 1961. ومن ثم، فإن تعيين هؤلاء السفراء يعكس ثقة دولهم في كفاءتهم وقدرتهم على إدارة ملفات حساسة، سواء في مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري أو في القضايا السياسية والأمنية.
سياق الاستقبال ودلالاته
يأتي هذا الاستقبال في ظرفية دولية تتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية وإعادة ترتيب التحالفات، ما يمنح لهذه اللحظة البروتوكولية أبعادا تتجاوز طابعها الشكلي. فالمشهد الدبلوماسي الذي جمع هذا العدد من السفراء من قارات متعددة يعكس تنوع الامتدادات الخارجية للمملكة واتساع شبكة علاقاتها.
وقد برز الحضور الإفريقي بقوة من خلال تمثيلية عدد مهم من الدول الإفريقية، في انسجام مع التوجه الاستراتيجي للمغرب نحو تعميق انخراطه في محيطه القاري وتعزيز شراكاته جنوب–جنوب. كما عكس استقبال سفراء من دول أوروبية وآسيوية وأمريكية لاتينية وأوقيانوسية حرص المملكة على تنويع شركائها وترسيخ علاقات متوازنة تقوم على منطق التعاون المتكافئ بدل الاصطفاف.
إن هذا الاستقبال لا يمكن اختزاله في كونه إجراء بروتوكوليا عاديا، بل يشكل مؤشرا على الدينامية التي تعرفها الدبلوماسية المغربية في السنوات الأخيرة، وعلى المكانة التي بات يحتلها المغرب داخل المنتظم الدولي. فهو يعكس ثقة متزايدة من قبل شركائه، ويجسد وضوح اختياراته السياسية وثبات مواقفه الاستراتيجية، خاصة في ما يتعلق بالدفاع عن وحدته الترابية وتعزيز حضوره الاقتصادي والاستثماري بالقارة الإفريقية وباقي الفضاءات الجيوسياسية.
كما يحمل هذا الحدث رسالة سياسية هادئة مفادها أن المغرب يواصل، بثبات واتزان، توسيع دوائر شراكاته وتعزيز موقعه كفاعل إقليمي وازن وجسر للتواصل بين الشمال والجنوب، وبين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي. ويستند هذا التموقع إلى شرعية تاريخية وعمق حضاري، وإلى رؤية ملكية تجعل من التعاون الدولي رافعة للتنمية المشتركة والاستقرار.
وعليه، فإن مراسيم استقبال السفراء الجدد، في رمزيتها ودلالاتها، تؤكد أن المملكة لا تكتفي بتدبير علاقاتها الخارجية وفق منطق تقليدي، بل تنخرط في إعادة صياغة أدوارها داخل النظام الدولي، بما يعزز مصالحها الاستراتيجية ويخدم قضايا السلم والتفاهم بين الشعوب. هكذا يتحول البروتوكول إلى لغة سياسية قائمة بذاتها، تعكس مكانة الدولة وهيبتها، وتبرز في الآن ذاته انفتاحها على شراكات متعددة الأبعاد في عالم سريع التحول.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

