لا يقف التاريخ عند حدود جبال الأطلس ليحكي قصة “البربر”، بل إن المتأمل في سجلات الزمان يدرك حقيقةً كونية: ليس المغرب وحده في العالم أصلُ سكانه بربر، بل إن التمدن العالمي ليس سوى قشرة رقيقة تُغطي جذوراً فطريةً ضاربة في القدم، عاشت فيها كل الشعوب حياةً وصفتها الإمبراطوريات القديمة بـ”البربرية”.
ألمانيا: هيبة الغابات التي أرعبت روما
إذا فتشنا في جذور الأمة الألمانية، سنجد أن أصلها يعود إلى قبائل “الجرمان”، الذين كانوا يمثلون “البرابرة” الأكثر شراسة وشكيمة في نظر الإمبراطورية الرومانية. هؤلاء الأجداد لم يعيشوا في مدنٍ مسورة، بل اتخذوا من الغابات العميقة حصوناً لهم.
هم “برابرة” الشمال الذين ألحقوا بروما هزيمة نكراء في معركة “غابة تويتوبورغ”، حيث أثبتوا أن فطرة المقاتل الحر تتفوق على تنظيم الجيوش النظامية.
تفتخر ألمانيا اليوم بروح “الجرمان” الصارمة والصلبة، وهي الروح التي كانت تُسمى قديماً “بربرية”، لكنها كانت في الواقع مكمن القوة التي شيدت ألمانيا الحديثة.
إنجلترا: سليل “البرابرة” الزرق
وعلى ضفاف الجزر البريطانية، كان الأجداد الأوائل من “البريتون” و “السلت” يرسمون ملامح الهوية الإنجليزية بدمائهم. هؤلاء الذين وصفهم الغزاة بالبرابرة، كانوا يصبغون أجسادهم بالنيلة الزرقاء لترهيب الأعداء، معتبرين أن الحرية في أحضان الطبيعة أثمن من الخضوع لرفاهية روما.
فرنسا: من عتمة الغابات إلى أنوار باريس
وعلى المنوال نفسه، تفتخر فرنسا بجذورها “الغالية” (Gaulois). هؤلاء الذين سماهم يوليوس قيصر “برابرة” كانوا يمثلون النقاء البدائي للشعوب الأوروبية. لقد كان “الغال” يقدسون الفروسية، ولم تكن مدنيتهم تقاس بالمباني، بل بمدى صمودهم أمام الغزاة، تماماً كما فعل أحرار الأطلس في مواجهة موجات الغزو المتلاحقة.
خلاصة الفكرة
إن “البربرية” في جوهرها ليست شتيمة أو غياباً للحضارة، بل هي “الحضارة في طور الفطرة”. هي تلك اللحظة التي كان فيها الإنسان ملتحماً بتراب أرضه، وقوياً بانتمائه الصادق قبل أن تروضه القوانين والحدود.
لذا، حين ننظر إلى خريطة العالم، نجد أن كل أمة عظيمة تخفي تحت ثوبها الحديث وشماً قديماً لأجدادٍ برابرة؛ فما “الأمازيغي” في المغرب، و”الجرماني” في ألمانيا، و”الغالي” في فرنسا، و”البريتوني” في إنجلترا، إلا فصولٌ من كتابٍ واحد عنوانه: “الأصالة التي سبقت التمدن”.
بقلم: إمهاء مكاوي
أديبة و شاعرة مفكرة
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


