محمد اكن يكتب:
ليست الحكاية في إيران حكاية ثكناتٍ عسكرية تقف عند أطراف المدن، ولا مجرد خرائط دفاع تُعلّق في غرف مغلقة، بل هي قصة نظام يرى في السلاح امتداداً للفكرة، وفي الفكرة روحاً تتجسد في السلاح. هناك، لا تفصل مسافة آمنة بين الدولة والعقيدة، ولا يقف القرار العسكري على الحياد بين الحسابات المهنية والالتزامات الإيديولوجية؛ بل تتشابك الخيوط حتى يغدو من العسير التمييز بين ما هو أمني وما هو عقدي.
في قلب هذا البناء، تتمركز قيادة عليا تمسك بمفاصل السياسة والقوة معاً. ليست مجرد مرجعية رمزية، بل سلطة تنفيذية ترسم الاتجاهات الكبرى وتضبط إيقاع المؤسسة العسكرية بما ينسجم مع المشروع السياسي العام. هكذا تصبح القوة المسلحة جزءاً من سردية الحكم، لا جهازاً مستقلاً يكتفي بحماية الحدود. إنها أداة بقاء بقدر ما هي أداة ردع.
ويقوم هذا النموذج على ازدواجية لافتة: جيش نظامي يؤدي أدواره التقليدية في حماية السيادة والاستعداد للمواجهة الخارجية، إلى جانب الحرس الثوري الإيراني الذي تجاوز مفهومه العسكري الصرف ليصبح لاعباً سياسياً وأمنياً واقتصادياً مؤثراً. الفارق بين المؤسستين ليس شكلياً، بل جوهري في الوزن والدور. فبينما يتحرك الجيش في إطار كلاسيكي مألوف، يحظى الحرس الثوري بهامش أوسع في صناعة القرار، وفي إدارة ملفات الداخل والخارج، حتى يبدو في أحيان كثيرة أقرب إلى العمود الفقري للنظام منه إلى مجرد تشكيل عسكري.
المركزية هنا ليست تفصيلاً إدارياً، بل فلسفة حكم. القرار العملياتي يُصاغ في مستويات عليا، وتُربط التحركات الميدانية باعتبارات سياسية وعقائدية تسبق الحسابات التكتيكية. يمنح ذلك قدراً عالياً من الانضباط والسيطرة، لكنه يضيق مساحة المبادرة ويجعل كل تحرك مرهوناً بميزان دقيق بين مقتضيات الأمن ومتطلبات الشرعية الفكرية.
أما في الخارج، فإن حضور وحدات معنية بإدارة النفوذ الإقليمي يكشف أن التمدد ليس ردة فعل ظرفية، بل جزء من تصور استراتيجي يعتبر العمق الجغرافي ضمانة للأمن القومي. يتحول الخارج إلى ساحة استباق، وتغدو الجغرافيا امتداداً للعقيدة، في معادلة ترى أن حماية الداخل تبدأ أحياناً من ما وراء الحدود.
وفي الداخل، لا يُترك المجال العام دون رقابة مشددة. فالأمن الداخلي يحتل موقعاً متقدماً في سلّم الأولويات، وتُسند مهمة ضبطه إلى قوى ذات طابع تعبوي واضح. هنا، يُنظر إلى الاستقرار الاجتماعي بوصفه شرطاً لبقاء النظام، ويُتعامل مع التحديات الداخلية باعتبارها اختبارات وجودية لا تقل خطورة عن التهديدات الخارجية.
إن ما يميز هذا النموذج ليس عدد الجنود ولا ترسانة الصواريخ، بل طبيعة العلاقة بين السلطة والسلاح. إنها علاقة اندماج كامل؛ حيث تُقاس القوة بمدى الولاء للمشروع العام بقدر ما تُقاس بالكفاءة العسكرية. في مثل هذا السياق، يصبح السلاح لغة سياسية، وتتحول المؤسسة العسكرية إلى أحد أعمدة الهوية الرسمية للدولة.
غير أن التاريخ يعلّمنا أن استقرار الدول لا يقوم على القوة وحدها، بل على قدرتها على بناء توازن صحي بين الدولة والمجتمع، بين العقيدة والتعدد، بين الأمن وحرية المجال العام. وأي نموذج، مهما بدا متماسكاً، يظل محكوماً بمدى انسجامه مع تطلعات شعبه وتغيرات محيطه.
من هنا، فإن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بكيف تُدار القوة في إيران، بل إلى أي مدى تستطيع هذه الصيغة أن تتكيف مع تحولات الداخل وضغوط الخارج. فالدول، في نهاية المطاف، لا تُقاس بصلابة قبضتها وحدها، بل بمرونتها أيضاً… وبقدرتها على الإصغاء قبل أن تأمر، وعلى الإصلاح قبل أن تواجه.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

