وجدة تلبس ذاكرتها حين مشت “حمّامات الشرق” في شوارع المدينة

سفيان بلفطناسيمنذ 6 دقائقآخر تحديث :
وجدة تلبس ذاكرتها حين مشت “حمّامات الشرق” في شوارع المدينة

وجدة : عبد الرحيم باريج

لم تكن وجدة، مساء الجمعة 6 نونبر 2026، مدينةً كسائر المدن. كانت قصيدةً تمشي على قدمين، وذاكرةً خرجت من البيوت العتيقة لتستعيد الشارع.

افتتحت رسميا في ذلك المساء، وتزامناً مع أعياد المسيرة الخضراء المظفرة، فعاليات الدورة التاسعة للمهرجان الدولي للبلوزة، الذي تنظمه الجمعية الشرقية للتنمية تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، من 5 إلى 8 نونبر، تحت شعارٍ يلخّص كل الحكاية “البلوزة خيط يجمع بين جهات المملكة”

 

موكبٌ من حرير ونور

 

كانت المسيرة النسوية التراثية “حمّامات الشرق” هي قلب الإفتتاح ونبضه. انطلقت من متحف لالة مريم متجهة نحو باب الغربي، في موكبٍ تقدّمته نساء تألقن بالحايك والبلوزة الوجدية، فبدا الشارع وكأنه انشقّ عن زمنٍ آخر، زمنٍ كانت فيه المرأة الشرقية تمشي بوقار الحرير، وتحمل في طيّات ثوبها حكاية جدّاتها.

لم تكن المسيرة عرضاً للأزياء، بل لوحةً فنية حيّة. امتزج فيها بياض الحايك بلمعان التطريز، وامتزجت فيها الإيقاعات الفلكلورية التي أبدعتها مجموعة العرفة وفرقة أحيدوس النسائية، لتعيد إلى شوارع المدينة صوراً حيّة من الذاكرة الجماعية وتقاليد المرأة الشرقية.

كانت كل خطوة خيطاً، وكل ثوب كان بيتاً من الشعر. كانت النساء يمشين، وكأنّهن يحملن وجدة كلها على أكتافهن، لا كزينة، بل كأمانة.

 

والي الجهة في قلب الإحتفال

 

ترأس حفل الإفتتاح الرسمي والي جهة الشرق، عامل عمالة وجدة أنجاد امحمد عطفاوي، بحضور منتخبين ومسؤولين محليين وفاعلين ثقافيين وصناع تقليديين.

وقام الحضور بجولة في أروقة المعرض المنظم بحديقة لالة مريم، الذي يضم نماذج متنوعة من البلوزة الوجدية وأدوات اشتغال النسيج، وتحفاً تراثية قديمة لجمعية التحف والأنتيكا بجهة الشرق، إلى جانب أزياء تقليدية تعكس تنوع الموروث الثقافي لمختلف أقاليم الجهة.

كان الزائر يفهم أن البلوزة ليست قماشاً يُلبس، بل حرفة تُورَّث، وذاكرة تُحاك..هناك، بين الإبرة والخيط، وبين النول القديم والتحفة الصامتة.

 

دار السبتي.. حين عاد العرس الوجدي

 

احتضنت قاعة دار السبتي وعلى إيقاع هذا الإحتفاء التراثي، حفلاً فنياً أعاد إحياء أجواء الأعراس الوجدية القديمة.

في تلك القاعة التاريخية، التي شهدت قبل أيام الندوة الصحفية للإعلان عن الدورة، عاد الزمن إلى الوراء. استعاد الحضور طقوس الإحتفال التقليدي، من الزغاريد إلى نغمات الطبالات، بقيادة رئيسة المجموعة فتيحة بنانة، في استحضار فني لذاكرة اجتماعية ظلت البلوزة والحايك جزءاً أصيلاً من تفاصيلها.

كانت دار السبتي في تلك الليلة ليست قاعة، بل بيت عرسٍ كبير. كل زغرودة كانت باباً يُفتح على الماضي، وكل إيقاع كان قلباً يخفق باسم وجدة.

 

أكثر من مهرجان

 

يُعتبر هذا الحدث ليس مجرد مهرجان للإحتفاء بلباس تقليدي، بل موعد لاستعادة الذاكرة وتكريم المرأة الشرقية؛ فالبلوزة الوجدية لم تكن يوماً مجرد زيّ، بل حكاية نساء، وهوية مدينة، وذاكرة أجيال تتوارثها بفخر واعتزاز.

ويتضمن برنامج الدورة مسابقة جهوية لاختيار أفضل تصميم للبلوزة، ومعرضاً يحتفي بالتراث والصناعة التقليدية، إلى جانب ندوة فكرية ناقشت موضوع “البلوزة خيط يجمع جهات المملكة.. التراث والهوية في خدمة الوحدة الوطنية”. وتُختتم الفعاليات بسهرة فنية كبرى تتخللها فقرات موسيقية وعروض لأحدث تصاميم البلوزة الوجدية، فضلاً عن تكريم عدد من الصناع التقليديين ونساء التراث.

خرجت وجدة من تلك الليلة وهي أكثر جمالاً، لا لأنها تزينت، بل لأنها تذكّرت. تذكّرت أن الخيط الذي يربط البلوزة بالحايك، هو نفسه الخيط الذي يربط الماضي بالحاضر، والشرق بالمملكة كلها.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة