لماذا الحركة الإبراهيمية؟ من الدبلوماسية الرسمية إلى بناء السلام بين الشعوب في زمن التحولات الجيوسياسية

abdelaaziz6منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
لماذا الحركة الإبراهيمية؟ من الدبلوماسية الرسمية إلى بناء السلام بين الشعوب في زمن التحولات الجيوسياسية

بقلم: محمد اكن

 

لم يعد السؤال المطروح في الشرق الأوسط اليوم هو ما إذا كانت المنطقة بحاجة إلى مسار جديد للسلام، بل أصبح السؤال الحقيقي: أي نوع من السلام يمكن أن يصمد أمام الحروب، والانقسامات الأيديولوجية، والصراعات الإقليمية، والتحولات العميقة التي تعيد تشكيل العلاقات بين دول المنطقة ومجتمعاتها؟

 

في هذا السياق، تبرز الحركة الإبراهيمية باعتبارها إحدى المقاربات الفكرية والمدنية التي تسعى إلى إعادة النظر في مفهوم السلام، ليس باعتباره مجرد اتفاق سياسي بين حكومات، وإنما باعتباره عملية تاريخية واجتماعية وثقافية تتطلب بناء الثقة بين الشعوب، وإعادة الاعتبار للإنسان باعتباره نقطة الالتقاء الأولى بين مختلف الهويات الدينية والثقافية.

 

أولاً: اتفاقيات أبراهام.. تحول في بنية العلاقات الإقليمية

 

شكّلت اتفاقيات أبراهام، التي انطلقت سنة 2020، منعطفاً مهماً في العلاقات الدبلوماسية بالشرق الأوسط، من خلال فتح قنوات رسمية للتعاون بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، من بينها الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب.

 

ولم تقتصر أهمية هذه الاتفاقيات على إعادة ترتيب العلاقات السياسية، بل امتدت إلى مجالات الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا والسياحة والأمن والتبادل الثقافي.

 

غير أن التجربة أثبتت أن تطبيع العلاقات بين الدول لا يعني بالضرورة حدوث تطبيع مماثل بين المجتمعات.

 

فالعلاقات الدبلوماسية يمكن أن تُؤسَّس بقرار سياسي، لكن بناء الثقة المجتمعية يحتاج إلى زمن طويل، وإلى عمل مستمر على مستوى التعليم والثقافة والإعلام والحوار الديني والتواصل الإنساني.

 

وهنا تحديداً تظهر إحدى الفجوات الأساسية في التجربة الإقليمية: الانتقال من السلام الرسمي إلى السلام المجتمعي.

 

فالاتفاقيات السياسية تفتح الأبواب، لكنها لا تضمن وحدها عبور الشعوب من خلالها.

 

ثانياً: الحرب مع إيران واختبار مستقبل المنطقة

 

لا يمكن قراءة مستقبل الشرق الأوسط بمعزل عن المواجهة العسكرية الواسعة مع إيران، التي اندلعت في 28 فبراير 2026، وما ترتب عليها من تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية تجاوزت حدود الأطراف المباشرة للصراع.

 

لقد كشفت هذه الحرب هشاشة التوازنات الإقليمية، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول الأمن القومي العربي، ومستقبل التحالفات الدولية، وحدود الاعتماد على القوى الخارجية في حماية استقرار المنطقة.

 

كما وضعت المجتمعات العربية أمام تحديات متعددة، أبرزها ارتفاع المخاوف الأمنية، والضغوط الاقتصادية، والاستقطاب السياسي والإعلامي، وتصاعد الخطابات التي تحاول تحويل الخلافات الجيوسياسية إلى صراعات دينية وهوياتية.

 

ومن أخطر نتائج الحروب أنها لا تكتفي بتدمير البنية التحتية، بل يمكنها أيضاً تدمير الثقة بين المجتمعات، وإعادة إنتاج الصور النمطية والعداء المتبادل عبر الأجيال.

 

إن الاختلاف مع السياسات الإيرانية لا ينبغي أن يتحول إلى عداء مع الشعوب، كما أن رفض السياسات الإسرائيلية لا ينبغي أن يتحول إلى كراهية دينية ضد اليهود، تماماً كما أن الاختلاف السياسي لا يمنح أي طرف الحق في نزع الإنسانية عن الطرف الآخر.

 

إن المنطقة تحتاج إلى مقاربة تميز بين الحكومات والشعوب، وبين السياسات والهويات الدينية، وبين الخلافات السياسية والحقوق الإنسانية.

 

ثالثاً: لماذا الحركة الإبراهيمية؟

 

تنبع أهمية الحركة الإبراهيمية من كونها تحاول معالجة جانب لا تستطيع الاتفاقيات السياسية وحدها معالجته: العلاقة بين الإنسان والإنسان.

 

فالحركة لا تنطلق من فكرة إنشاء دين جديد، ولا من إلغاء الخصوصيات الدينية أو الثقافية، ولا من مطالبة الشعوب بالتخلي عن قناعاتها السياسية والتاريخية.

 

إنها تنطلق من حقيقة أن اليهودية والمسيحية والإسلام، رغم اختلافاتها العقدية والتاريخية، تشترك في إرث روحي وأخلاقي وإنساني واسع، يمكن أن يشكل أرضية للحوار والتعاون والاعتراف المتبادل.

 

ومن هذا المنطلق، فإن الحركة الإبراهيمية تسعى إلى تحويل المشترك الديني من مجرد ذاكرة تاريخية إلى قوة إيجابية في العلاقات المعاصرة.

 

فبدلاً من أن تكون الهوية الدينية أداة للتعبئة ضد الآخر، يمكن أن تصبح مصدراً للمسؤولية الأخلاقية تجاهه.

 

وبدلاً من أن تبقى العلاقات بين المجتمعات رهينة الخطابات السياسية المتوترة، يمكن بناء شبكات من التعاون بين المثقفين ورجال الدين والشباب والنساء والفاعلين المدنيين.

 

إن الرهان الحقيقي هنا هو الانتقال من دبلوماسية المصالح وحدها إلى دبلوماسية الإنسان، ومن التفاهم بين الحكومات إلى التفاهم بين المجتمعات.

 

رابعاً: التطبيع ليس نهاية الطريق

 

من الضروري التمييز بين التطبيع باعتباره خياراً دبلوماسياً تتخذه الدول، وبين السلام باعتباره قيمة إنسانية وممارسة مجتمعية.

 

فالتطبيع يمكن أن يفتح المجال أمام التعاون الاقتصادي والسياسي، لكنه لا يصبح سلاماً مستداماً إلا عندما يشعر المواطن بأن العلاقات الجديدة تحمل فرصاً حقيقية للاستقرار والكرامة والتنمية والعدالة.

 

كما أن مستقبل أي مشروع إقليمي للسلام يظل مرتبطاً بقدرته على التعامل بجدية مع القضية الفلسطينية، وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، وضرورة التوصل إلى تسوية عادلة تضمن الأمن والكرامة والحقوق لجميع الأطراف.

 

لا يمكن بناء سلام مستدام من خلال تجاهل معاناة شعب، أو اختزال الصراع في خلاف ديني، أو التعامل مع الأمن باعتباره امتيازاً لطرف دون آخر.

 

إن السلام الذي لا يضع كرامة الإنسان في مركزه يظل سلاماً هشاً، مهما بلغت قوة الاتفاقيات التي تحميه.

 

ومن هنا، فإن الحركة الإبراهيمية مطالبة بأن تكون فضاءً للحوار الصريح، لا منصة لتبرير السياسات، وأن تدافع عن التعايش دون أن تتخلى عن المبادئ الإنسانية والحقوق الأساسية.

 

خامساً: المغرب وتجربته التاريخية في التعايش

 

يمتلك المغرب رصيداً تاريخياً وثقافياً مميزاً يؤهله للاضطلاع بدور مهم في هذا المجال.

 

فالتاريخ المغربي ليس مجرد تاريخ لتعدد المكونات الدينية والثقافية، بل هو أيضاً تاريخ لتفاعلها داخل فضاء وطني مشترك.

 

لقد عاش اليهود المغاربة قروناً طويلة إلى جانب المسلمين، وأسهموا في تشكيل الذاكرة الجماعية والاقتصادية والثقافية للمملكة.

 

كما أن حماية التراث العبري المغربي والاعتراف بمكوناته ضمن الهوية الوطنية يشكلان نموذجاً مهماً في فهم التعدد باعتباره عنصراً من عناصر القوة الوطنية.

 

وفي هذا الإطار، تكتسب الرؤية المغربية أهمية خاصة، خصوصاً في ظل العناية الملكية بالتراث العبري المغربي، وترسيخ التعددية الثقافية والدينية ضمن الهوية الوطنية للمملكة.

 

إن التجربة المغربية تقدم درساً مهماً للمنطقة: يمكن للإنسان أن يكون متمسكاً بهويته الدينية والوطنية، وفي الوقت نفسه منفتحاً على الاختلاف، دون أن يشعر بأن الاعتراف بالآخر يمثل تهديداً لذاته.

 

وهذا ما يجعل المغرب مؤهلاً للمساهمة في تطوير نموذج للحوار الإبراهيمي يقوم على احترام السيادة الوطنية، والخصوصية الثقافية، والتعاون الإنساني.

 

سادساً: من مواجهة الحروب إلى صناعة ثقافة السلام

 

إن التحدي الأكبر الذي تواجهه المنطقة لا يتمثل فقط في إيقاف الحروب، بل في منع عودتها من خلال معالجة الأسباب الفكرية والاجتماعية التي تغذيها.

 

وهذا يتطلب الاستثمار في التربية على التسامح، وتطوير برامج الحوار بين الأديان، وتعزيز التبادل الثقافي، وإشراك الشباب والنساء والمؤسسات المدنية في بناء علاقات تتجاوز الحدود السياسية.

 

كما يتطلب مواجهة التطرف الديني والقومي، ورفض توظيف المقدسات لتبرير العنف أو التحريض أو الإقصاء.

 

ولا ينبغي للحركة الإبراهيمية أن تكون مجرد شبكة علاقات بين شخصيات سياسية أو دينية، بل عليها أن تتحول إلى مشروع مدني وإنساني قادر على إحداث أثر ملموس في حياة المجتمعات، خصوصاً في مجالات التعليم والثقافة والتنمية المحلية وتمكين الشباب والتعاون بين المؤسسات المدنية.

 

فالسلام لا يُقاس بعدد المؤتمرات والبيانات المشتركة، وإنما بقدرته على تغيير حياة الناس، وتقليص الخوف، وبناء الثقة، وخلق فرص للتعاون بين من كانوا ينظرون إلى بعضهم باعتبارهم خصوماً.

 

خاتمة: السلام مشروع أجيال وليس اتفاقية عابرة

 

إن السؤال «لماذا الحركة الإبراهيمية؟» ليس سؤالاً دينياً فقط، ولا سياسياً أو دبلوماسياً فحسب، بل هو سؤال يتعلق بمستقبل المجتمعات في منطقة أنهكتها الصراعات والانقسامات.

 

في زمن الحروب والمواجهات الإقليمية، تصبح الحاجة إلى الحوار أكثر إلحاحاً، لا أقل أهمية.

 

وفي زمن تصاعد الكراهية، يصبح الاعتراف بالآخر موقفاً سياسياً وأخلاقياً مسؤولاً.

 

إن الحركة الإبراهيمية لن تكون ذات قيمة حقيقية إذا اكتفت بتكرار شعارات السلام، أو إذا تحولت إلى غطاء للعلاقات الرسمية بين الدول، بل ستكتسب مشروعيتها من قدرتها على بناء جسور إنسانية حقيقية، ومن استعدادها للاستماع إلى مختلف الأصوات، بما فيها الأصوات المنتقدة، والعمل من أجل مستقبل أكثر عدلاً وأمناً وكرامة.

 

نحن لا نحتاج إلى شرق أوسط يتفق فيه الجميع على المواقف السياسية نفسها، بل إلى شرق أوسط يستطيع فيه المختلفون أن يعيشوا معاً دون خوف أو كراهية أو إقصاء.

 

فليس المطلوب أن نتشابه حتى نتعايش، بل أن نحترم اختلافاتنا حتى نستطيع بناء مستقبل مشترك.

 

إن اتفاقيات السلام قد تفتح أبواب الدول، لكن ثقافة التعايش هي التي تفتح أبواب القلوب.

 

وهنا تكمن الإجابة عن السؤال: لماذا الحركة الإبراهيمية؟

 

لأن السلام الحقيقي لا يبدأ من طاولة المفاوضات وحدها، بل يبدأ عندما يدرك الإنسان أن اختلاف دين جاره أو هويته أو جنسيته ليس سبباً للخوف منه، وإنما فرصة للتعارف والتعاون والعيش المشترك.

 

محمد اكن

كاتب وصحفي وفاعل في مجال الحوار الثقافي والتعاون الإنساني.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة