آل بنصالح.. حين يلتقي المجدُ والوفاءِ في بركان  في حضرة عائلةٍ صنعت من الماءِ ذهباً ومن الوفاءِ مجداً

سفيان بلفطناسيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
آل بنصالح.. حين يلتقي المجدُ والوفاءِ في بركان  في حضرة عائلةٍ صنعت من الماءِ ذهباً ومن الوفاءِ مجداً

عبد الرحيم باريج

 

ليست كل العائلات تكتب سيرتها بالحبر، بعضها يكتبها بالماء. وعائلة بنصالح في الشرق المغربي، هي من هذا الطراز النادر.

عائلة غنية عن التعريف، لا لأنها تملك، بل لأنها تعطي. لا لأن اسمها يلمع فوق قارورات “سيدي علي” و “سيدي حرازم” في كل بيت مغربي، بل لأن اسمها محفور في قلب كل بركاني، فوق مدرجات الملعب البلدي، وتحت سلال كرة السلة، وفي دفاتر المحسنين.

يُعتبر الحديث عن النهضة الرياضية البركانية، هذا الصرح البرتقالي الذي ولد عام 1938 وتوهج منذ 1971 ليصبح قوة قارية، هو في جوهره حديث عن آل بنصالح.

 

الجذور.. من تراب بركان إلى دهاليز الدولة

 

لا تبدأ قصة آل بنصالح في مصنع، بل في حقلٍ من حقول بركان. ينحدرون من إقليم بركان بجهة الشرق، تشهد لهم الأرض بطيب الأصل وعراقة النسب.

وتكشف وثائق قريبة من العائلة أن أول رئيس حكومة لمغرب الإستقلال مبارك البكاي، اختار عبد القادر بنصالح مديراً لديوانه ورجل ثقته عام 1956، أساسا لكفاءته ولأنه ابن أخيه وابن بلدته بركان. دخل اسم بنصالح منذ تلك اللحظة، تاريخ الدولة المغربية الحديثة من بابها الكبير، باب المسؤولية والثقة والأمانة.

بنى الجيل الثاني، وعلى رأسه الراحل عبد القادر بنصالح طيب الله ثراه، مجموعة “هولماركوم” ومجموعة “والماس للمياه المعدنية”. لم تكن مجرد شركة، بل كانت فلسفة، أن يحولوا نعمة جوف الأرض في والماس إلى ثروة وطنية.

تقود اليوم السيدة مريم بنصالح شقرون، ابنة العائلة ورئيسة المجموعة، هذا الصرح الذي أصبح “علامة تجارية ذات انتشار يتجاوز حدود المملكة”.

من مياه سيدي علي التي أصبحت الراعي الرسمي لكأس أمم إفريقيا 2025، إلى التأمينات والأبناك والفلاحة، إمبراطورية بنصالح هي أحد أعمدة الإقتصاد الوطني، لكن قلبها لم يغادر بركان أبداً.

 

العشق البرتقالي.. دمٌ لا ماء

 

يقولون في بركان “إذا كان نادي مدينتنا يخوض هذا الموسم منافسات دوري أبطال أفريقيا، فهذا يعود إلى مؤازرتكم”. بهذه الكلمات خاطب فوزي لقجع، ابن بركان ورئيس الجامعة، السيدة بنصالح شاكراً دعم عائلتها لناديهما المحلي نهضة بركان. وهذا الدعم ليس شعاراً يوضع على القميص، بل هو نبضٌ في شرايين النادي.

تبرز الأرقام في كرة القدم لتخرس كل مشكك. يظهر في التقارير المالية للنادي، اسم محمد بنصالح كأحد كبار المساهمين، بـ 400 مليون سنتيم بصفته ممثلاً في الشركة الرياضية، إلى جانب 75 مليون سنتيم من سيدي علي وإفريقيا. وعندما توج النادي بلقب كأس الكونفدرالية الإفريقية، لم يتردد رجل الأعمال محمد حسن بنصالح في تقديم هدية مالية قيمتها 2.5 مليون درهم (250 مليون سنتيم) للنادي، تعبيراً عن فخره بالإنجاز التاريخي.

وذكر الرجل نفسه، دينامو النادي عبد المجيد مضران ضمن أصحاب اليد البيضاء على النادي حين قال “أتوجه بالشكر للسيد بنصالح محتضن الفريق وكل من كانت له يد بيضاء على نهضة بركان”.

ولم يتوقف الوفاء عند المستطيل الأخضر، ففي قاعة المسيرة بمكناس، حين توج فريق نهضة بركان لكرة السلة بطلاً للقسم الأول وعاد بامتياز إلى قسم الأضواء، كان هناك في الظل نفس الدعم، نفس العائلة التي تؤمن أن النهضة ليست فريق كرة قدم، بل هي مدينة كاملة تنهض بالرياضة، بالسلة، بكرة اليد، بألعاب القوى.

 

الوجه الآخر للذهب.. العمل الخيري

 

يكمن هنا سر آل بنصالح الحقيقي. فمن يعطي للرياضة، يعطي للإنسان. تقول مريم بنصالح في كل مناسبة “نحن منخرطون في دينامية مساعدة الشباب وتسريع التنمية الإجتماعية، ومنطلقنا هو رعاية وتحفيز المواهب”، ليست جملة علاقات عامة، بل هي دستور عائلي.

يعرف الفلاحون في بركان دعمهم، وتعرف الأرامل بيوتهم التي رممت، ويعرف الطلبة منحهم الدراسية، وتعرف المساجد والمدارس ترميمها، و…و.. ومؤسسة بنصالح لا تصور ما تعطي، ولذلك كثر ما تعطي. يدٌ تبني مصنعاً في الدار البيضاء، ويدٌ أخرى تمسح دمعة يتيم في بركان. إنهم لا يعتبرون أنفسهم ممولين للنهضة، بل مشجعين أوفياء. لا يرون أنفسهم رعاة، بل أبناءً بارين لمدينتهم.

 

عائلة غنية في قلوب الناس

 

تظل عائلة بنصالح استثناءً جميلاً، في زمنٍ صار فيه الإستثمار الرياضي بحثاً عن الشهرة، استثمروا في الماء فأعطاهم الله ثروة، واستثمروا ثروتهم في حب مدينتهم فأعطاهم الله خلوداً في قلوب الناس.

نادي النهضة في بركان اليوم بطل إفريقيا ثلاث مرات، يهنئه جلالة الملك محمد السادس ببرقيات ملكية سامية، ووراء هذا المجد هناك دائماً اسم من أوفياء العرش يتردد همساً في المدرجات، بنصالح..العائلةٌ الغنيةٌ عن التعريف، لأن التعريف نفسه هو هي.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة