تحذير صريح من توقف اضطراري يكشف هشاشة منظومة توزيع مادة حيوية مدعمة.
قضية “البوطا” ليست قضية قنينات غاز، بل هي مرآة لاقتصاد مغربي في مفترق طرق، بين الحفاظ على السلم الإجتماعي عبر الدعم المعمم، وبين ضمان استدامة سلاسل التوزيع التي تجعل هذا الدعم ممكنا على أرض الواقع. وعندما يعلن الموزع أنه لم يعد قادرا على إيصال الدعم إلى المواطن، فالمشكلة لم تعد لوجستية، بل أصبحت سياسة عمومية بامتياز.
عبد الرحيم باريج
تعود أزمة توزيع قنينات غاز البوتان لتطفو على سطح النقاش الإقتصادي والإجتماعي بالمغرب، ليس كأزمة عرض أو ندرة في الإنتاج، بل كأزمة نموذج اقتصادي بلغ حدوده.
قامت الجمعية المهنية لمستودعي الغاز السائل بالجملة بالمغرب، بعد أعوام من تحمل ضغوط متزايدة في صمت، تُلوح بورقة التوقف الإضطراري عن تزويد الأسواق، في خطوة تصعيدية تنذر باضطراب محتمل يمس مادة لا غنى عنها في يوميات أكثر من 8 ملايين أسرة مغربية.
دقت الجمعية ناقوس الخطر، في حدث معلن وواضح، معتبرة أن الإرتفاع المتواصل لأسعار المحروقات وتكاليف النقل استنزف قدرة الموزعين، في مقابل استمرار العمل بهامش ربح مقنن لم يعد يغطي كلفة الإستغلال. لكن الحدث المخفي أعمق من مجرد بلاغ احتجاجي.
إنذار من قلب السلسلة لا من هامشها
ما يميز هذا التحذير أنه لا يصدر عن تجار التقسيط الصغار، بل عن مستودعي الجملة، الحلقة المركزية والإستراتيجية في سلسلة التوزيع. هؤلاء هم من يربطون مراكز التعبئة التابعة للشركات الكبرى بالأسواق الجهوية والمحلية، ويتحملون العبء الأكبر من أسطول شاحنات وسائقون وصيانة وتأمينات ومسافات طويلة تصل إلى المناطق القروية والجبلية والنائية.
وأكد رئيس الجمعية محمد بنجلون، أن الموزعين “بلغوا مرحلة صعبة بسبب اتساع الفارق بين تكاليف الاستغلال وهوامش الربح المعتمدة”، وأن “صبر المهنيين قد نفد”. الرسالة هنا اقتصادية بامتياز ودخل القطاع مرحلة الخسارة التشغيلية المقنعة.
معادلة مختلة بكلفة متحررة وهامش مجمد
يكمن جوهر الأزمة في مفارقة بنيوية. من جهة، تكاليف متحررة ومتضخمة كسعر الغازوال الذي يمثل أزيد من 40 في المائة من كلفة النقل وشهد زيادات متتالية منذ 2022، مع تقلبات السوق الدولية وانعكاسها المباشر على السوق الوطنية. تضاف إليها زيادات في أجور السائقين، قطع الغيار، إطارات الشاحنات، والتأمينات الإجبارية. والموزع الذي كان يقطع 400 كيلومتر يوميا لتزويد إقليم ناء، أصبحت كلفته مضاعفة دون أن تتغير مداخيله.
من جهة أخرى، هامش ربح مجمد ومقنن، ولا يزال ثمن قنينة الغاز من فئة 12 كلغ مدعما من طرف الدولة عبر صندوق المقاصة، حوالي 40 درهما للعموم، وهو ما يفرض تقنينا صارما لهوامش الربح في كل حلقة. هذا الهامش، الذي لم يراجع بشكل جوهري منذ أعوام، ظل، بحسب المهنيين، “دون تغيير وبعيدا عن تغطية التكاليف الحقيقية”.
ويتحول كنتيجة، الموزع من مستثمر يضمن خدمة عمومية، إلى ممول غير معلن لجزء من كلفة الدعم الاجتماعي، ما يعني أنه هو من يمتص صدمة غلاء المحروقات نيابة عن المنظومة.
ما لا يُقال في الوجه الخفي للأزمة
يوجد خلف البلاغ الرسمي، ثلاث حقائق اقتصادية مسكوت عنها، أولاً أزمة منظومة الدعم نفسها. يسير المغرب في مسار إصلاح تدريجي لصندوق المقاصة، بدأ بتحرير المحروقات، ويتجه نحو الإستهداف المباشر عبر السجل الإجتماعي الموحد. لكن غاز البوتان ظل المادة الأخيرة المدعمة بشكل شامل، لأسباب اجتماعية. خلق هذا الوضع منطقة رمادية، الدولة لا تريد رفع السعر على المواطن والشركات الكبرى تضمن هوامشها عبر عقود التعبئة، بينما الموزع بالجملة الحلقة الضعيفة تتحمل الضغط.
والتفاوت الجغرافي الخطير، ثالثا. لأن تكلفة إيصال القنينة إلى الدار البيضاء ليست هي نفسها إلى زاكورة أو تاونات أو فيكيك. حذرت الجمعية صراحة من أن أي توقف سيؤثر على “المناطق القروية والنائية” أولا. وهذا يعني أن أول ضحايا أي اضطراب لن يكون سكان المدن الكبرى، بل الفئات الهشة التي يعتمد دعم “البوطا” أساسا على حمايتها.
وثالثاً، سوق موازية تتغذى على الأزمة. كلما ضعفت ربحية التوزيع الرسمي، اتسع هامش الممارسات غير المهيكلة، مثل الزيادة غير القانونية في ثمن القنينة (50 إلى 70 درهما في بعض المناطق)، التلاعب في الوزن، والإحتكار الظرفي. ليتضح أن إضعاف الموزع المهيكل هو تقوية مباشرة للسوق السوداء.
ماذا تطلب الجمعية فعلا؟
لا تتجه مطالب المهنيين نحو تحرير سعر “البوطا” على المواطن، بل نحو خيارين واقعيين طرحتهما الجمعية، أولهما مراجعة هامش التوزيع المخصص لمستودعي الجملة ليواكب مؤشر أسعار المحروقات، عبر آلية تحيين أوتوماتيكية كما هو معمول به في قطاعات أخرى، أو منح دعم استثنائي مؤقت للنقل يمتص الزيادة في كلفة الغازوال، في انتظار الإصلاح الشامل لمنظومة المقاصة.
وهما مطلبان يضعان الحكومة أمام معادلة دقيقة، كيف تحمي القدرة الشرائية للمواطن دون أن تدفع منظومة التوزيع نحو الإفلاس الصامت؟
السيناريوهات المفتوحة
التهديد بالتوقف الإضطراري ليس إضرابا بالمعنى النقابي، بل هو إعلان عن عجز تقني ومالي عن الإستمرار. واستمرار الوضع دون معالجة يفتح على ثلاثة سيناريوهات، أولا سيناريو الامتصاص المؤقت، بتدخل وزارة الداخلية ووزارة الإقتصاد والمالية عبر حوار مستعجل وزيادة ظرفية في الهامش، كما حدث في أزمات سابقة، لتفادي أي اضطراب اجتماعي. وسيناريو التوقف الجزئي والمتقطع، عبر بدء توقفات موضعية في جهات بعينها، تخلق ندرة ظرفية وارتفاعا في الأسعار في السوق غير المنظمة، مما يضغط سياسيا لتسريع الحل. وسيناريو الإصلاح الهيكلي:، في استغلال الأزمة كفرصة لتسريع الإنتقال إلى الدعم المباشر، مع إدماج كلفة التوزيع الحقيقية في احتساب السعر المرجعي الجديد، وهو السيناريو الأكثر جرأة والأكثر كلفة سياسيا.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


