المهرجان الدولي للبلوزة بوجدة.. أربعة أيام تنسج خيوط التراث المغربي وتحتفي بوحدة الهوية الوطنية

ناشر الموقعمنذ 8 دقائقآخر تحديث :
المهرجان الدولي للبلوزة بوجدة.. أربعة أيام تنسج خيوط التراث المغربي وتحتفي بوحدة الهوية الوطنية

من البلوزة الوجدية إلى الذاكرة المغربية المشتركة.. تظاهرة ثقافية وفنية تجمع الإبداع النسوي بأصالة التراث وتفتح آفاقاً جديدة لتثمين الصناعة التقليدية.

 

وجدة : عبد الرحيم باريج

 

 

تستعد مدينة وجدة، من 5 إلى 8 نونبر 2026، لاحتضان الدورة الجديدة من المهرجان الدولي للبلوزة، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، في موعد ثقافي وفني وتراثي يراهن على تحويل اللباس التقليدي المغربي إلى لغة جامعة تتجاوز الحدود الجغرافية للجهات، وتستحضر عمق الذاكرة الوطنية وغنى روافدها الحضارية.

وتأتي هذه الدورة تحت شعار يحمل دلالات رمزية وثقافية عميقة «البلوزة خيط يجمع بين جهات المملكة»، وهو شعار لا يختزل البلوزة في مجرد زي تقليدي أو قطعة من الألبسة النسائية، بل يقدمها باعتبارها تعبيراً عن هوية متجذرة، وذاكرة اجتماعية متوارثة، وجسراً للتواصل بين مختلف التعبيرات الثقافية التي تزخر بها المملكة المغربية.

فالبلوزة الوجدية، بما تحمله من خصوصية جمالية ودقة في الصنعة وتنوع في التطريز والتصميم، أصبحت أكثر من مجرد موروث محلي؛ إنها عنوان من عناوين الذاكرة النسائية بجهة الشرق، وأحد المكونات التي تستحق مزيداً من التعريف والتثمين والإشعاع وطنياً ودولياً.

وتراهن الجهة المنظمة، من خلال برنامج يمتد على أربعة أيام، على الجمع بين النقاش الفكري، والاستعراض التراثي، والعروض الفنية، وتكريم الذاكرة الإنسانية، وإبراز إبداعات الصناع التقليديين ومصممات الأزياء، في محاولة لربط الماضي بالحاضر واستشراف مستقبل أكثر إشراقاً لهذا الموروث الأصيل.

 

ندوة فكرية تضع التراث في قلب النقاش حول الهوية والوحدة الوطنية

 

تفتتح فعاليات المهرجان يوم الخميس 5 نونبر، بموعد فكري وثقافي يحتضنه المعهد الثقافي إكليل بوجدة، ابتداءً من الساعة الرابعة بعد الزوال، من خلال ندوة تحمل عنوان «البلوزة خيط يجمع جهات المملكة: التراث والهوية في خدمة الوحدة الوطنية».

وستشكل هذه الندوة مناسبة لمقاربة الأبعاد التاريخية والثقافية والاجتماعية للبلوزة، واستحضار دور التراث في تعزيز الانتماء الوطني وصيانة الذاكرة الجماعية، فضلاً عن مناقشة التحديات التي تواجه الحرف التقليدية وسبل حمايتها من الاندثار.

وتعرف الندوة مشاركة الأستاذة سليمة الفراجي، المحامية والبرلمانية السابقة والباحثة، والأستاذة لطيفة الداودي، المسؤولة عن الحرف المهددة بالمديرية الجهوية للصناعة التقليدية، والأستاذ ياسين المغاري، المحافظ بالمديرية الجهوية للثقافة بوجدة، إلى جانب الدكتور والباحث أحمد طنطاوي.

وستتولى تسيير هذا اللقاء الأستاذة مونية حديوي، الصحفية ومديرة جريدة إكسبريس.

وتكتسي هذه المحطة أهمية خاصة، بالنظر إلى أن حماية التراث لا تتحقق بالإحتفاء الموسمي به وحده، وإنما تحتاج إلى البحث والتوثيق والتكوين ونقل المهارات بين الأجيال، فضلاً عن توفير الظروف الملائمة لاستمرار الحرفيين والحرفيات في ممارسة إبداعهم وتطويره.

«حمّامات الشرق».. حين تتحول الذاكرة النسوية إلى مسيرة احتفالية

أما يوم الجمعة 6 نونبر، فسيكون الموعد مع واحدة من أبرز اللحظات المنتظرة في هذه الدورة، من خلال الإفتتاح الرسمي للمهرجان وتنظيم المسيرة النسوية التراثية «حمّامات الشرق»، التي ستنطلق من المعلمة التاريخية دار السبتي بمدينة وجدة، ابتداءً من الساعة الرابعة بعد الزوال.

وستشارك في هذه المسيرة نساء يرتدين الحايك الوجدي والأزياء التقليدية المغربية، في مشهد احتفالي يستحضر حضور المرأة في الذاكرة الاجتماعية والتراثية للمنطقة، ويعيد إلى الواجهة رمزية اللباس التقليدي باعتباره جزءاً من تاريخ المجتمع وخصوصيته الثقافية.

ولن تكون المسيرة مجرد استعراض للأزياء، بل لوحة تراثية متحركة تستحضر ملامح من الحياة الوجدية القديمة، وتمنح الفضاء الحضري فرصة لاستعادة بعض من تفاصيل الذاكرة الجماعية، بمصاحبة فقرات فلكلورية تحييها فرقة الركادة ونساء الصف والطبالات.

ومن دار السبتي، بما تمثله من قيمة تاريخية ومعمارية، إلى حديقة متحف لالة مريم، بالباب المقابل لدار السبتي، سيمتد الإحتفاء بالتراث من خلال حفل يستحضر أجواء الأعراس الوجدية القديمة وتقاليدها الأصيلة، قبل الإنتقال إلى حفل فني للطرب الغرناطي برئاسة الفنانة إحسان عمري.

إنها لحظة يلتقي فيها الحايك بالبلوزة، والإيقاع الشعبي بالنغم الأندلسي، لتقدم وجدة صورة عن تعدد مكوناتها الفنية والثقافية، وعن قدرة التراث على تجديد حضوره في الوجدان الجماعي.

 

سهرة السبت.. وفاء لرموز الذاكرة وتتويج لجيل جديد من المبدعين

 

وتتواصل فعاليات المهرجان يوم السبت 7 نونبر، ابتداءً من الساعة السادسة مساءً، بمسرح محمد السادس بوجدة، من خلال سهرة فنية كبرى تجمع بين لحظات الوفاء والتكريم والاحتفاء بالإبداع الفني والتراثي.

وتحمل هذه السهرة بعداً إنسانياً خاصاً، من خلال فقرة وفاء وتكريم للمرحوم الدكتور جمال حدادي، اعترافاً بما يمثله من حضور في الذاكرة الثقافية والإنسانية، واستحضاراً لقيمة الشخصيات التي ساهمت في خدمة الثقافة والتراث.

كما ستشهد المناسبة الإعلان عن الفائزين الخمسة في المسابقة الجهوية لأحسن تصميم للبلوزة، وتتويجهم، في مبادرة تروم تشجيع الطاقات الإبداعية وتحفيز المصممين والمصممات على تطوير هذا الزي التقليدي، بما يحافظ على أصالته ويمنحه إمكانات جديدة للتجديد والانتشار.

وستتخلل السهرة كذلك تكريمات لعدد من الصناع التقليديين والمهتمين بالتراث، تقديراً لما يقدمونه من جهود في صيانة المهارات الحرفية ونقل أسرار الصنعة إلى الأجيال الجديدة.

وعلى المستوى الفني، سيكون الجمهور على موعد مع الفنان طالبي وان الكبير، وفرقة بلوزات الركادة، والفنانة بيان بلعياشي، ومجموعة البراهمة للفن المنكوشي والعلوي، برئاسة الفنان حميد البراهمي.

وهي برمجة فنية تسعى إلى إبراز تنوع التعبيرات الموسيقية بالمنطقة، وإبقاء الصلة قائمة بين الأزياء التقليدية والفنون الشعبية التي شكلت على امتداد عقود جزءاً من الشخصية الثقافية لجهة الشرق.

 

الأحد.. البلوزة الوجدية تتألق في عرض وطني للأزياء التقليدية

 

تصل هذه التظاهرة إلى محطتها الختامية يوم الأحد 8 نونبر، من خلال سهرة فنية كبرى تحتضنها قاعة الباهية بوجدة، ابتداءً من الساعة السابعة مساءً.

وسيكون الموعد مناسبة للإحتفاء بنساء التراث، باعتبارهن الحاملات الأساسيات لذاكرة اللباس التقليدي، وصاحبات الدور المحوري في الحفاظ على تفاصيله الجمالية وتوارث تقاليده عبر الأجيال.

كما ستعرف الأمسية تنظيم عرض وطني للأزياء التقليدية المغربية، يتضمن أحدث تصاميم البلوزة الوجدية، في لقاء بين الأصالة والابتكار، وبين مهارة الصانع التقليدي ورؤية المصمم المعاصر.

وستشارك في هذه الأمسية الفنانة فاطمة الزهراء العروسي ومجموعة مانيكيس، إلى جانب فقرات فنية وموسيقية متنوعة تضفي على الحفل أجواء احتفالية تختزل روح المهرجان وأهدافه.

وسيكون الختام بتلاوة برقية الولاء والإخلاص المرفوعة إلى السدة العالية بالله، صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.

 

من الإحتفاء بالبلوزة إلى الإستثمار في التراث.. رهان يتجاوز حدود المهرجان

 

إن القيمة الحقيقية للمهرجان الدولي للبلوزة لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد السهرات الفنية أو تنوع العروض والأنشطة، وإنما بما يمكن أن يتركه من أثر مستدام في مسار حماية التراث المغربي وتثمين الصناعة التقليدية وتعزيز مكانة وجدة باعتبارها فضاءً ثقافياً قادراً على احتضان المبادرات ذات الإشعاع الوطني والدولي.

فالبلوزة الوجدية ليست مجرد لباس تتزين به المرأة في المناسبات، بل هي حكاية أجيال، وذاكرة نساء، وتفاصيل صنعتها أنامل الحرفيين، واختزلت فيها ملامح من تاريخ المدينة وخصوصيتها الاجتماعية والجمالية.

ومن هنا تبرز أهمية ربط المهرجان بمشاريع عملية تتجاوز زمن دورته، من قبيل توثيق تاريخ البلوزة الوجدية، وإحداث أرشيف بصري ومرجعي لتطور تصاميمها، وتشجيع التكوين المهني في مجال الخياطة والتطريز، ودعم الصناع التقليديين، وفتح آفاق أوسع أمام تسويق المنتوجات التراثية والتعريف بها خارج حدود الجهة.

كما أن شعار هذه الدورة، «البلوزة خيط يجمع بين جهات المملكة»، يحمل رسالة تتجاوز الأبعاد الجمالية للزي التقليدي، ليؤكد أن الوحدة الوطنية لا تقوم على تشابه التعبيرات الثقافية، وإنما على تكاملها وتنوعها واعتزاز كل منطقة بخصوصيتها داخل الهوية المغربية الجامعة.

وجدة، إذ تحتفي ببلوزتها، لا تحتفي بقطعة من تاريخها فحسب، بل تمد خيطاً من ذاكرتها نحو باقي جهات المملكة، لتؤكد أن التراث حين يجد من يصونه ويمنحه فضاءً للإبداع، يتحول من ماضٍ محفوظ في الذاكرة إلى قوة حية تصنع الحاضر وتستشرف المستقبل.

إنها أربعة أيام من الفن والوفاء والجمال، وأربعة أيام تضع المرأة والتراث والصناعة التقليدية في قلب المشهد الثقافي، وتمنح البلوزة الوجدية فرصة جديدة لتقول إن بعض الأزياء لا تُخاط بالإبرة والخيط وحدهما، بل تُنسج أيضاً بخيوط التاريخ والانتماء والهوية.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة