لم تكن الساعة تشير سوى إلى صباح الأربعاء 4 نونبر، عندما حطت سيارة المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف حموشي، أمام المستشفى الجامعي محمد السادس بأكادير. لا موكب صاخب، لا بروتوكول مبالغ فيه. دخل رجل واحد قسم الإنعاش، وقف عند سرير ضابط أمن شاب، جسده مثقل بالكسور والإصابات البليغة بعدما دهسه مجرم بسيارته عمدا وهو يؤدي واجبه في الشارع.
تفقد حالته الصحية، سأل الأطباء بدقة عن استجابته للعلاج، ثم انحنى ليهمس له بكلمات قليلة لكنها ثقيلة كتاريخ مؤسسة “نحن معك، وأسرتك أسرتنا، وتضحيتك وسام على صدر كل الأمن الوطني.”
هذه الزيارة، التي قد تبدو للبعض خبرا عاديا في نشرة الأخبار، هي في الواقع زلزال معنوي ومهني داخل أسرة الأمن الوطني.
ما قبل الزيارة.. قرارات تسبق الخطوة
لم يأتِ الحموشي بيد فارغة. فقبل أن يطأ أرض أكادير، كان قد اتخذ ثلاث قرارات حاسمة تؤسس لمفهوم “حماية الدولة” الحقيقي، أولا الترقية الإستثنائية، بترقية الضابط المصاب فورا، اعترافا بأن الدم الذي سال في الشارع هو ترقية لا تمنحها النقط الإدارية. والتكفل الكامل ثانيا، أمر مصالح الصحة والشؤون الإجتماعية للأمن بتحمل كل نفقات التطبيب والإستشفاء، مهما بلغت. ولجنة عليا للدعم ثالثا، أوفد قبل زيارته لجنة أمنية مشتركة رفيعة تضم مدير مؤسسة محمد السادس للأعمال الإجتماعية، ومفتش مصالح الصحة للأمن، ووالي أمن أكادير، لتبقى بجانب المصاب وعائلته لحظة بلحظة.
وكانت هنا الرسالة المهنية العميقة، في الوقت الذي يفر فيه بعض المسؤولين من المسؤولية، ينتقل أكبر مسؤول أمني في البلاد بنفسه ليقول لموظفيه “لن أترككم وحدكم أمام الخطر، ومن يمسكم يمسني شخصيا.” هذا ما قصدته المديرية حين أكدت أن مهمتها النبيلة هي حفظ الأمن وصون النظام وضمان أمن الأشخاص والممتلكات، لكنها لن تنسى أمن رجالها أولا.
هذا ليس استثناء.. هذا هو الحموشي الذي نعرفه
ما حدث في أكادير هو حلقة في سلسلة طويلة من المواقف التي جعلت من عبد اللطيف حموشي ليس مجرد مدير عام، بل “أب” روحي لأسرة كبيرة، في بيوت العزاء، في بني ملال وأبي الجعد، دخل بيوت شهداء الواجب بدون كاميرات ولا مراسيم، جلس على الأرض مع أمهات مفجوعات، وقال لهم، تضحية أبنائكم خالدة في ذاكرة الوطن. وجبرت زيارات إنسانية ومعبرة خواطر عائلات ظنت أن الدولة ستنساها بعد انتهاء مراسيم الجنازة.
لم يكتف الحموشي ببرقية تعزية في فاجعة سيدي إفني الحادث المروري الأليم الذي خطف أربعة أرواح من رجال الشرطة. قرر ترقية الشهداء الأربعة إلى رتبة مقدم شرطة، وترتيب جميع حقوقهم، بل وذهب أبعد من ذلك.. توظيف أراملهم مباشرة في أسلاك الأمن الوطني. حول المأساة إلى كرامة، واليتم إلى وظيفة تحفظ العيش.
وكانت مفاتيح البيوت للأرامل، في يوم لن تنساه عشر أرامل، أشرف شخصيا خلال الأبواب المفتوحة بالرباط على تسليم شقق سكنية لهن. عشر نساء فقدن أزواجهن أثناء أداء الواجب، استلمن سكنا يليق بتضحية أزواجهن. قالها يومها بوضوح، العناية الموصولة بأسر شهداء الواجب واجب مقدس.
وأضحت الترقية بعد الشهادة، عندما توفي المقدم الرئيس المهدي عمراوي بالرباط إثر حادثة سير وهو على دراجته المهنية، وعندما توفي شرطي فرقة الدراجين بالبيضاء بابن مسيك، صدر نفس القرار، ترقية استثنائية، وتكليف مؤسسة محمد السادس بتقديم واجب العزاء وتمكين الأسرة من الدعم المادي الشامل. حتى الموت لا يمنع الوفاء.
القائد أول الواصلين عند الخطر وآخر المغادرين عند الألم
نحزن لأننا في زمن جفت فيه الإنسانية في الإدارة. نحزن لأن الشرطي البسيط الذي يقف تحت الشمس والمطر لينظم السير، كان يعتقد أن لا أحد يراه، فإذا بأعلى هرم في الجهاز يأتي ليطمئن على جرحه.
زيارة أكادير اليوم هي رسالة بثلاثة اتجاهات، لرجل الأمن “اعمل بضمير، وطنك وراءك”.
للمجرم الذي دهس “أنت لا تدهس فردا، أنت تعتدي على مؤسسة بأكملها، والدولة لن تتسامح”. وللمواطن “هذا هو الأمن الذي نريده، أمن قوي على المجرم، رحيم وحنون على أبنائه”.
عبد اللطيف حموشي اليوم لم يعالج كسرا في ساق ضابط بأكادير، بل رمم شرخا قديما بين الإدارة والموظف، وكتب من جديد تعريف القائد: هو الذي يكون أول الواصلين عند الخطر، وآخر المغادرين عند الألم.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



