من سرق إبراهيم منّا؟ سؤال توم ويغنر في وجه زمن الكراهية

abdelaaziz6منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
من سرق إبراهيم منّا؟ سؤال توم ويغنر في وجه زمن الكراهية

بقلم: محمد اكن

إلى كل من يحتاج إلى عدو كي يشعر بأنه مؤمن، وإلى كل من أقنع نفسه بأن كراهية المختلف عبادة، وأن إلغاء الآخر انتصار، وأن السلام خيانة: هذا المقال ليس موجهًا إلى راحتك.
لأن «الثورة الإبراهيمية» للمفكر الإسرائيلي توم ويغنر تضع يدها على الجرح الذي يحاول المتطرفون إخفاءه منذ عقود: ماذا لو اكتشف الإنسان أن الكراهية التي ورثها ليست قدرًا مقدسًا، وأن «العدو» الذي تربى على الخوف منه ليس بالضرورة الوحش الذي رسمته له الدعاية؟
هنا تبدأ المشكلة.
فالمتطرف لا يخاف من المختلف بقدر ما يخاف من أن يتعرف إليه.
لأنه عندما يصبح الآخر وجهًا لا صورة، وإنسانًا لا شعارًا، وجارًا لا عدوًا، تبدأ الآلة التي صنعت الكراهية في التعطل.
وهذا تحديدًا ما يجعل الحديث عن «الثورة الإبراهيمية» مستفزًا.
نحن لا نعيش فقط صراعًا على الأرض؛ نحن نعيش صراعًا على الوعي. وكل طرف يريد أن يقنع أبناءه بأن روايته هي الرواية الوحيدة، وأن ذاكرته هي الذاكرة الوحيدة، وأن ضحاياه هم الضحايا الوحيدون الذين يستحقون البكاء.

وهكذا يصبح الألم ملكية حصرية.

وتتحول المأساة إلى هوية.

ويتحول الموت إلى وقود سياسي.
ثم يأتي جيل جديد، لا يعرف لماذا يكره، لكنه يعرف جيدًا من يجب أن يكره.
وهذه هي أخطر لحظة في التاريخ: حين يصبح الكراهية إرثًا لا يحتاج صاحبه إلى سبب.
كتاب ويغنر يطرح، بشكل أو بآخر، السؤال الذي لا تريد عقليات التطرف سماعه: ماذا لو كان أبناء إبراهيم قادرين على الاختلاف دون أن يحولوا اختلافهم إلى حرب دائمة؟
لماذا نحتاج إلى عدو كي نثبت إيماننا؟
لماذا يحتاج المسلم إلى كراهية اليهودي كي يكون مسلمًا؟
ولماذا يحتاج اليهودي إلى كراهية العربي كي يكون يهوديًا؟
ولماذا يحتاج المسيحي إلى إقصاء الآخر كي يكون مسيحيًا؟
لا شيء في الإيمان الحقيقي يحتاج إلى إنسان آخر كي يهينه حتى يشعر بقيمته.
هذه ليست دعوة إلى ذوبان الهويات.
وليست مطالبة لأحد بالتخلي عن عقيدته.
وليست محاولة لمسح التاريخ أو تزييفه.
إنها دعوة إلى وضع حد للفكرة الأكثر سمية في المنطقة: أن الاختلاف يمنحنا الحق في نزع إنسانية المختلف.
وهنا يصبح إبراهيم عليه السلام أكثر من شخصية دينية في الذاكرة المشتركة؛ يصبح سؤالًا أخلاقيًا.
إذا كان المسلم واليهودي والمسيحي ينظرون إلى إبراهيم بوصفه جزءًا من تراثهم الروحي، فكيف تحولت هذه الذاكرة المشتركة إلى ساحات للعداء؟
هل أخطأ إبراهيم؟
أم أننا نحن الذين أخطأنا في قراءة إرثه؟
ربما لا يحتاج العالم اليوم إلى مزيد من الخطب عن السلام.
ربما يحتاج إلى شجاعة مواجهة الذين يعيشون على نقيضه.
لكن مواجهة التطرف لا تعني إنتاج تطرف مضاد.
ولا يمكن محاربة الكراهية بكراهية جديدة.
ولا يمكن أن يصبح الظلم الذي تعرض له طرف مبررًا لظلم طرف آخر.
وهنا يجب أن نقول الكلام الذي يزعج الجميع: لا سلام بلا عدالة، ولكن لا عدالة حقيقية يمكن أن تقوم على الانتقام الأبدي.

غزة مثال صارخ على ذلك.

مأساة المدنيين الفلسطينيين لا يمكن إنكارها ولا تحويلها إلى هامش في أي حديث جدي عن المستقبل. وفي الوقت نفسه، فإن هذه المأساة لا تمنح أحدًا الحق في تحويل اليهود، كجماعة دينية أو إثنية، إلى عدو جماعي.
وبالمثل، فإن الخوف والألم الذي عاشه الإسرائيليون لا يمكن استخدامه لتبرير تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم أو حقوقهم.
إذا كنا نرفض قتل الأبرياء عندما يكونون «من جماعتنا»، فعلينا أن نرفضه عندما يكونون من الجماعة الأخرى.
وإلا فإننا لا ندافع عن الأخلاق؛ نحن ندافع عن قبيلتنا.
وهذا بالضبط ما يرفضه المنطق الإبراهيمي.
فالمشكلة ليست أن لدينا هويات مختلفة.
المشكلة أننا حولنا الهويات إلى أسوار.
والمشكلة ليست أن لدينا روايات تاريخية مختلفة.
المشكلة أننا قررنا أن رواية الآخر يجب أن تموت كي تعيش روايتنا.
وهنا يمكن للمغرب أن يقدم درسًا مهمًا.
اليهود المغاربة ليسوا ضيوفًا عابرين في التاريخ المغربي، ولا هامشًا يمكن حذفه من الذاكرة. هم جزء من تاريخ المغرب، من مدنه وأسواقه وثقافته واقتصاده وذاكرته الشعبية.
ومن يقرأ التاريخ المغربي بإنصاف يعرف أن اليهودية المغربية ليست جسمًا غريبًا عن البلاد.
ولهذا فإن استعادة الذاكرة اليهودية المغربية ليست خيانة للهوية الإسلامية للمغرب، كما يحاول البعض تصويرها، بل اعتراف بأن الهوية المغربية نفسها أكثر ثراءً وتعقيدًا من كل الخطابات التي تريد اختزالها في لون واحد.
وهنا تصبح الترجمة العربية لكتاب «الثورة الإبراهيمية» أكثر من مجرد عمل ثقافي.
إنها امتحان حقيقي للعقل العربي.
هل نستطيع أن نقرأ كتابًا لمفكر إسرائيلي دون أن نحاكمه قبل أن نقرأه؟
هل نستطيع أن نختلف معه دون أن نشتمه؟
هل نستطيع أن نأخذ منه فكرة ونرفض أخرى؟
هل نستطيع أن نفهم إسرائيل دون أن نتحول إلى إسرائيليين، وأن نفهم العرب دون أن نتخلى عن هويتنا؟
إذا كانت الإجابة نعم، فقد بدأنا نخرج من عقلية القبيلة.
أما إذا كانت الإجابة لا، فالمشكلة ليست في الكتاب.
المشكلة فينا.
أن تقرأ الآخر لا يعني أن تستسلم له.
وأن تفهمه لا يعني أن توافقه.
وأن تتحاور معه لا يعني أن تتخلى عن حقوقك.
بل ربما يكون الحوار هو الشكل الأكثر نضجًا للدفاع عن الذات.
لأن من لا يملك إلا الشتيمة عندما يواجه فكرة مختلفة، لا يملك حجة.
ومن لا يستطيع رؤية إنسانية خصمه، لن يستطيع بناء سلام معه.
ومن يطالب العالم بأن يعترف بألمه، ثم يرفض الاعتراف بألم الآخرين، لا يبحث عن العدالة؛ إنه يبحث عن احتكار الضحية.
وهذا هو المرض الذي يجب أن نتخلص منه.
نحن بحاجة إلى ذاكرة، نعم.
لكننا بحاجة إلى ذاكرة لا تتحول إلى ثأر.
نحتاج إلى عدالة، نعم.
لكن عدالة لا تتحول إلى انتقام.
نحتاج إلى هوية، نعم.
لكن هوية لا تحتاج إلى كراهية الآخر كي تثبت وجودها.
وربما لهذا السبب يكون الحب أكثر استفزازًا للمتطرف من الرصاص.
فالطلقة تستطيع أن تنهي حياة إنسان.
أما المعرفة والحوار، فيستطيعان أن يهزما الفكرة التي جعلت قتل الإنسان ممكنًا أصلًا.
لهذا فإن «الثورة الإبراهيمية» ليست مجرد دعوة إلى أن نحب بعضنا.
إنها دعوة إلى شيء أصعب: أن نعترف بأن الآخر موجود، وأن له كرامة، وذاكرة، وخوفًا، وحقوقًا، حتى عندما نختلف معه.
وهذه ليست رومانسية.
إنها سياسة واقعية.
لأن البديل الذي جربناه لعقود كان واضحًا: المزيد من الكراهية، المزيد من الخوف، المزيد من الموت، والمزيد من الأطفال الذين يرثون أسئلة لم يختاروها.
فإلى متى؟
إلى متى سنترك الماضي يقرر مستقبل أبنائنا؟
إلى متى سنربي الطفل على أن هناك شعبًا يجب أن يكرهه قبل أن يعرف حتى لماذا؟
إلى متى سنعامل السلام كأنه جريمة، والحوار كأنه خيانة، والتسامح كأنه ضعف؟
ربما آن الأوان لقلب المعادلة.
أن نقول للمتطرف: لن أتخلى عن ديني كي أعيش معك، ولن أتخلى عن هويتي كي أحترمك، ولن أتخلى عن حقوقي كي أحاورك.
لكنني أيضًا لن أكرهك فقط لأنك ولدت مختلفًا عني.
وهنا تحديدًا تبدأ الثورة.
ليست ثورة على الإسلام.
ولا على اليهودية.
ولا على المسيحية.
ولا على الهوية.
بل ثورة على استخدام الدين والهوية والتاريخ كأدوات لإنتاج الكراهية.
ثورة تبدأ من السؤال الأكثر بساطة والأكثر إزعاجًا:
إذا كان إبراهيم يجمعنا، فمن أقنعنا بأن أبناء إبراهيم يجب أن يكونوا أعداء؟
ربما تكون الإجابة هي المعركة الحقيقية التي يجب أن نخوضها.
لأن الشرق لا يحتاج إلى جيل جديد يتقن الكراهية أكثر.
إنه يحتاج إلى جيل يمتلك الشجاعة ليكسرها.
وهنا، ربما، يصبح الحب فعلًا ثورة.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة