مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يبدو أن المشهد السياسي بإقليم صفرو يتجه نحو واحدة من أكثر المنافسات إثارة للاهتمام، في ظل بروز اسمين يمثل كل واحد منهما مسارا مختلفا تماما في دخول عالم السياسة: مصطفى لخصم، البطل الدولي السابق في رياضة الكيك بوكسينغ، ويوسف منضور، ابن مدينة صفرو ورجل الأعمال العائد من الولايات المتحدة الأمريكية، الذي اختار دخول غمار السياسة من بابه الواسع.
الصورة التي تجمع الرجلين في مواجهة أشبه بـ”مصارعة الأذرع” تختزل، بشكل رمزي، طبيعة المرحلة المقبلة: صراع سياسي لا يحسم بالقوة البدنية ولا بالثروة، وإنما بالقدرة على بناء التنظيم، واستقطاب الناخبين، وصناعة الثقة، وتحويل الحضور السياسي إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع.
لخصم.. من الحلبة الرياضية إلى مواجهة الفساد
دخل مصطفى لخصم عالم السياسة بطريقة مختلفة عن المألوف. فالرجل الذي صنع اسمه في ميادين الرياضة الدولية، اختار أن يخوض تحديا جديدا داخل المجال السياسي، في انتقال لم يكن عاديا ولا هادئا.
ومنذ دخوله الحياة السياسية، استطاع لخصم أن يفرض نفسه في النقاش العمومي، وأن يحظى بمتابعة واسعة، مستفيدا من شخصية قوية وخطاب مباشر لا يخلو من المواجهة.
كما أكد في أكثر من مناسبة أن دخوله إلى السياسة يرتبط بمعركة يعتبرها أساسية، عنوانها محاربة الفساد والمفسدين، وهو خطاب ساهم في استقطاب شريحة من المتابعين الذين يرون فيه شخصية مختلفة عن الوجوه السياسية التقليدية.
غير أن هذا الرصيد الجماهيري يظل أمام اختبار حقيقي، لأن الانتقال من الشعبية والخطاب الاحتجاجي إلى المؤسسة التشريعية يحتاج إلى تنظيم انتخابي قوي، وبرنامج واضح، وقدرة على تحويل التعاطف إلى أصوات فعلية.
منضور.. حين تصبح السياسة لعبة تنظيم وهياكل
في الجهة المقابلة، يبدو أن يوسف منضور اختار منذ البداية أن يخوض المعركة بمنطق مختلف.
فالرجل لم يكتفِ بالحضور الشخصي أو الظهور الإعلامي، بل عمل، خلال فترة زمنية قصيرة، على تنظيم هياكل حزب التجمع الوطني للأحرار بإقليم صفرو، وتقوية حضوره المحلي، وتوسيع شبكة العلاقات والداعمين حول الحزب.
كما تمكن، وفق ما يظهر من حركته السياسية والميدانية، من بناء شبكة واسعة من المنتخبين والفاعلين المحليين، واستقطاب عدد مهم من الأسماء والشخصيات المؤثرة داخل عدد من الجماعات الترابية، وهو ما يمنحه أفضلية تنظيمية لا يمكن الاستهانة بها في أي استحقاق انتخابي.
وهنا تكمن إحدى نقاط قوة منضور: فالمعركة الانتخابية لا تخاض فقط أمام الكاميرات، وإنما تخاض أيضا داخل الهياكل، وفي الاجتماعات، وفي الميدان، وبين مختلف الفاعلين المحليين.
والقدرة على بناء شبكة انتخابية تمتد من مركز الإقليم إلى الجماعات والدوائر المحلية يمكن أن تكون أكثر حسما من الشعبية الرقمية وحدها.
من يملك أفضلية المعركة؟
إذا كان لخصم يمتلك رصيدا جماهيريا مهما، وشخصية مثيرة للجدل، وحضورا قويا على شبكات التواصل، وخطابا يقوم على مواجهة الفساد والمفسدين، فإن منضور يبدو أنه اختار الطريق الأكثر هدوءا والأكثر تنظيما.
لقد اشتغل على بناء الحزب من الداخل، وترتيب الهياكل، وتوسيع دائرة الداعمين، وربط علاقات مع المنتخبين والفاعلين المحليين، مستفيدا من موقعه كمنسق إقليمي لحزب التجمع الوطني للأحرار.
وهذه العناصر تمنح منضور، في قراءة انتخابية بحتة، أفضلية تنظيمية واضحة.
فالانتخابات في النهاية ليست مسابقة في الشعبية فقط، وإنما هي عملية معقدة تحتاج إلى شبكة مناضلين، ومنسقين، وممثلين، وحضور ميداني، وقدرة على التواصل مع الناخبين في مختلف المناطق.
ومن هذه الزاوية، قد تكون كفة منضور هي الأثقل حاليا، ليس بالضرورة لأنه أكثر شعبية من خصمه، وإنما لأنه يبدو أكثر اشتغالا على تحويل الحضور السياسي إلى تنظيم انتخابي قادر على خوض المعركة على الأرض.
لكن لخصم يملك سلاحا لا يمكن تجاهله
ومع ذلك، فإن التقليل من قوة لخصم سيكون خطأ في قراءة المشهد.
فالشخصية التي صنعت لنفسها اسما في الرياضة الدولية، ثم دخلت السياسة وخلقت حولها كل هذا الجدل والمتابعة، تمتلك رأسمالا جماهيريا قد يتحول في أي لحظة إلى قوة انتخابية حقيقية، خصوصا إذا نجح لخصم في ترجمة خطابه حول محاربة الفساد إلى تنظيم ميداني واسع.
وهنا تحديدا تكمن المفاجأة المحتملة في هذه المنافسة: هل يستطيع لخصم تعويض فارق التنظيم بقوة الشعبية؟ أم يستطيع منضور أن يحول تفوقه التنظيمي إلى تفوق انتخابي؟
البرلمان لا تحسمه الصورة.. بل الصندوق
في نهاية المطاف، ستبقى كل الحسابات مجرد قراءات إلى حين فتح صناديق الاقتراع.
فالمنافسة بين الرجلين تختزل صراعا بين نموذجين:
لخصم: الشعبية، الحضور، الجدل، والخطاب الصريح في مواجهة الفساد والمفسدين.
ومنضور: التنظيم، الهياكل، العلاقات المحلية، العمل الميداني، وتوسيع شبكة الدعم السياسي والانتخابي.
وإذا استمر منضور في توسيع دائرة نفوذه التنظيمي واستقطاب الفاعلين المحليين، فقد يدخل السباق البرلماني بأفضلية مهمة. لكن السياسة تبقى مليئة بالمفاجآت، خصوصا عندما يكون الطرف الآخر شخصية جماهيرية قادرة على تحريك الرأي العام.
الحلبة الحقيقية ليست فيسبوك… بل الجماعات القروية
لكن قراءة المنافسة بين لخصم ومنضور من زاوية الحضور على مواقع التواصل الاجتماعي وحدها قد تكون مضللة. فـالحلبة الحقيقية هي إقليم صفرو بأكمله، وليس العالم الافتراضي.
فجزء مهم من الثقل الانتخابي يوجد في الجماعات القروية والمناطق التابعة للإقليم، حيث لا تكون قوة الحضور على فيسبوك معيارا حاسما بالضرورة، ولا تتحول آلاف المشاهدات والإعجابات إلى أصوات انتخابية بشكل آلي.
وهنا تحديدا يمكن أن تظهر أفضلية العمل الميداني والتنظيمي الذي اشتغل عليه يوسف منضور، خصوصا إذا تمكن من ترسيخ حضور حزبه داخل الجماعات القروية، وبناء شبكة من المنتخبين والفاعلين المحليين والداعمين القادرين على الوصول إلى الناخب حيث يوجد فعليا، وليس فقط حيث يتابع الأخبار والمنشورات.
أما مدينة صفرو، فرغم وزنها السكاني والرمزي، فإن التجارب الانتخابية السابقة تجعلها بحاجة إلى قراءة خاصة، في ظل ضعف المشاركة الانتخابية في بعض الاستحقاقات، وهو ما قد يجعل تأثيرها في حسم المقعد البرلماني أقل مما قد يوحي به حجم المدينة.
واللافت في الانتخابات البرلمانية بإقليم صفرو أن المفاجآت كثيرا ما تأتي من الجماعات القروية، حيث يمكن لنسب المشاركة المرتفعة أن تعيد ترتيب موازين القوى، وتقلب حسابات المرشحين الذين يركزون على المدن أو على الحضور الافتراضي.
وهنا بالضبط يصبح السؤال الحقيقي بالنسبة إلى لخصم ومنضور:
من يملك القدرة على الوصول إلى الناخب القروي؟ من يعرف تضاريس الإقليم الانتخابية؟ ومن يستطيع تحويل العلاقات والوعود والخطاب إلى حضور فعلي يوم الاقتراع؟
لخصم قد يمتلك شعبية رقمية واسعة، وقد يكون اسمه معروفا على المستوى الوطني، لكن البرلمان لا ينتخب عبر “فيسبوك”.
ومنضور، في المقابل، قد لا يمتلك بالضرورة نفس الزخم الإعلامي الذي يحيط بخصمه، لكنه يبدو أنه يشتغل على الأرض، وعلى الهياكل، وعلى بناء شبكة سياسية وانتخابية تمتد إلى الجماعات والدوائر المحلية.
وهنا قد تكمن نقطة القوة الحقيقية في معركته.
وفي النهاية… القرى قد تحسم ما تقوله المدينة
المعركة المقبلة، إذا اتخذت فعلا شكل المنافسة بين الرجلين، لن تكون مجرد مواجهة بين بطل رياضي سابق ورجل أعمال دخل عالم السياسة، بل ستكون اختبارا لنموذجين مختلفين:
لخصم يراهن على الشعبية والخطاب المباشر ومحاربة الفساد والمفسدين والحضور الجماهيري.
في مقابل منضور الذي يراهن على الحزب والتنظيم والهياكل والعمل الميداني وتوسيع شبكة الدعم داخل الجماعات والدوائر الانتخابية.
وفي إقليم مثل صفرو، قد لا تكون المعادلة الانتخابية حيث توجد الكاميرات والهواتف الذكية، بل حيث توجد الصناديق الانتخابية والناخبون الذين يخرجون فعليا للتصويت.
لذلك، فإن من يريد معرفة مآل هذه المنافسة عليه ألا يكتفي بعد المتابعين والمشاهدات والإعجابات، بل عليه أن يراقب الجماعات القروية، ونسب المشاركة، وحجم التعبئة، وشبكات التنظيم، وقدرة كل مرشح على تحويل حضوره إلى أصوات حقيقية.
الحلبة هي إقليم صفرو بأكمله… والحكم ليس فيسبوك ولا مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما الناخب.
وفي النهاية، قد تقول المدينة شيئا، وقد تقول مواقع التواصل شيئا آخر، لكن المفاجأة الحقيقية قد تأتي من الجماعات القروية، كما حدث في تجارب انتخابية سابقة، لتعيد رسم الخريطة السياسية للإقليم بأكمله.
والنتيجة الوحيدة التي لا تقبل التأويل هي تلك التي ستخرج من صناديق الاقتراع.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



