بقلم: وهيبة وردي
تضع الهزات الاجتماعية المتواترة المشهد الوطني أمام حقيقة مؤسساتية صارخة: لم يعد ممكناً اختزال إدارة الأزمات في مجرد “ضبط ميداني”، ولا إلقاء الثقل كاملاً على وزارة الداخلية لمواجهة احتقان شارعٍ تُغذّيه القرارات العشوائية للحكومة، ويُعمّق جراحه عجزها التواصلي المطبِق.
يتجلى هذا العجز التواصلي والسياسي بأوضح صوره في مشاهد النزوح الجماعي الأخيرة عند معبر سبتة، وفي صعود احتجاجات “جيل Z” التي تُدار عبر شبكات افتراضية مغلقة. إن هذه الظواهر ليست مجرد أحداث عابرة، بل هي صرخة رفض مدوية بوجه واقع اقتصادي مأزوم، وإعلان صريح عن انقطاع أواصر الثقة بين الشباب والمؤسسات الحكومية المنتخبة.
وما يزيد الطين بلة ويُعمّق الشعور بالغبن، هو طبيعة الأسلوب الذي يتعامل به رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، مع هذه الأزمات الداخلية المتتالية؛ أسلوبٌ يقرأه الشارع في كثير من المحطات بملامح الاستهتار واللامبالاة والفوقية، وكأن التفاعل مع قضايا المواطنين الحارقة نافلة وليس واجباً سياسياً وأخلاقياً. ولعل المظهر الأكثر إيلاماً لهذا التجاهل التواصلي هو غياب أي لفتة إنسانية أو واجب عزاء ومواساة لضحايا أمواج الهجرة والنزوح، ما كشف عن فجوة وجدانية سحيقة بين رأس الجهاز التنفيذي والشارع.
بؤس النخب: حكومة صامتة ومعارضة تُطارد الكراسي
هذا الشلل التنفيذي لا يكتمل إلا بانهيار أدوار الوساطة السياسية برمتها؛ فنحن أمام حكومة صامتة تكتفي بالمراقبة، ومعارضة بائسة بات همّ زعماؤها الوحيد ترقب فرصة العودة إلى الكراسي والمناصب العليا. لقد تحول الأمناء العامون للأحزاب إلى مجرد كائنات سياسية تقطن المكاتب المكيفة، بلا امتداد شعبي ولا قدرة على التأطير الميداني، ولا تُتقن سوى تدبيج الشعارات الرنانة وعقد المهرجانات الخطابية الاستعراضية عندما تقترب مواسم الانتخابات.
هذا الإفلاس المزدوج للأغلبية والمعارضة أفرغ العمل الحزبي من محتواه التنموي، وحوّل المؤسسات التمثيلية إلى هياكل شكلية عاجزة عن امتصاص غضب الشارع أو صياغة بدائل حقيقية.
المقاربة الأمنية والخاصرة الرخوة للاستقرار
إن المراهنة المفرطة على المقاربة الأمنية كخط دفاع أول وأخير هي إنهاك صريح لإحدى أهم مؤسسات الدولة السيادية؛ فالأجهزة الأمنية، رغم احترافيتها العالية في إدارة الشارع وحماية الحدود، لا تملك مفاتيح خلق الشغل، ولا كبح التضخم، ولا ترميم الثقة في المستقبل. فالأمن يُعالج الأعراض، لكنه لا يُداوي أسباب الإخفاق السياسي والإنساني.
والأدهى من هذا العقم السياسي الشامل، أنه يفتح أبواب البلاد على خاصرة رخوة شديدة الخطورة. إن ترك الشباب في حالة تيه وإحباط، بلا مؤطر سياسي ولا خطاب رسمي مقنع، يُقدّم هذه الفئات الحيوية — على طبق من ذهب — لأجندات خارجية تتربص باستقرار المملكة. ونجد الخصوم يستغلون هذا الفراغ بأساليب خبيثة، تتراوح بين تسييس الدين لإذكاء المشاعر، وتغذية النعرات العرقية والفئوية لتفكيك اللحمة الوطنية عبر منصات افتراضية عابرة للحدود.
إن حماية السلم الاجتماعي بالمغرب ومنع الاختراق الخارجي لا يُبنيان بمنطق “تطبيع الدولة مع الأزمات”، بل باستعادة التوازن المؤسساتي المفقود:
حكومة شجاعة تملك الجرأة التواصلية والإنسانية للنزول إلى الميدان وتحمُّل تبعات سياساتها، ومعارضة وطنية جادة تتجاوز منطق المزاريد والمناصب، ومؤسسات أمنية تُمارس أدوارها في حماية القانون والاستقرار، دون أن تُترك وحدها في الواجهة لتغطية عجز الفاعل المنتخب.

اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



