عينات ليفي… الوجه الآخر الذي لا يريد المتطرفون أن تعرفوه

abdelaaziz6منذ ساعتينآخر تحديث :
عينات ليفي… الوجه الآخر الذي لا يريد المتطرفون أن تعرفوه

بقلم: محمد اكن

ليست كل الأوطان تُقاس بالحدود، ولا كل الهويات تُختزل في جواز السفر. فهناك أوطان تستقر في القلب قبل أن تُرسم على الخرائط، وهناك انتماءات لا تضعفها المسافات، بل يزيدها الغياب رسوخًا. والمغرب، بالنسبة إلى آلاف اليهود من أصول مغربية المنتشرين في العالم، هو أحد هذه الأوطان الاستثنائية؛ وطنٌ لم يغادر وجدانهم حتى عندما غادروه، ولم يتحول في ذاكرتهم إلى فصل من الماضي، بل بقي حاضرًا في تفاصيل حياتهم، في لغتهم، وفي موسيقاهم، وفي أطباقهم، وفي الحنين الذي يرافقهم أينما حلّوا.

وعندما نبحث عن نموذج يجسد هذا الارتباط العميق، نجد اسم عينات ليفي حاضرًا بكل وضوح.

لا أكتب عنها لأنها يهودية، ولا لأنها تعيش في إسرائيل، بل لأنها تمثل مدرسة من اليهود المغاربة الذين لم يسمحوا للسياسة أن تمحو ذاكرتهم، ولم يتركوا الأحداث الإقليمية تسرق منهم حبهم لوطنهم الأصلي. إنها واحدة من الشخصيات التي تدرك أن الانتماء الحقيقي لا يُولد من المواقف السياسية العابرة، بل من التاريخ المشترك، ومن الذكريات التي لا تستطيع السنوات أن تمحوها.

حين تستمع إلى عينات ليفي وهي تتحدث عن المغرب، لا تسمع خطابًا دبلوماسيًا مصنوعًا، ولا مجاملة عابرة، بل تشعر بأن الكلمات تخرج من قلبٍ ما زال يحتفظ بمفتاح بيتٍ قديم، وبرائحة الخبز المغربي، وبصوت الأسواق العتيقة، وبأذان المساجد الذي كان يتجاور، عبر قرون، مع تراتيل المعابد اليهودية في مشهد حضاري نادر في المنطقة.

لقد شكّل اليهود المغاربة، عبر أكثر من ألفي عام، أحد المكونات الأصيلة للشخصية المغربية. ولم تكن علاقتهم بهذا الوطن علاقة ضيافة، بل علاقة شراكة في صناعة التاريخ. أسهموا في التجارة، والاقتصاد، والفنون، والدبلوماسية، والعلوم، وحملوا اسم المغرب معهم إلى العالم، تمامًا كما حمل المغرب أسماءهم في ذاكرته الوطنية.

ولذلك، فإن الحديث عن عينات ليفي ليس حديثًا عن فرد، بل عن امتداد لذاكرة جماعية ما زالت تنبض بالحياة.

إنها تنتمي إلى جيل يدرك أن المغرب لم يكن يومًا وطنًا لثقافة واحدة أو دين واحد، بل فضاءً حضاريًا استطاع أن يصنع نموذجًا فريدًا للتعايش. وهو النموذج الذي لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة قرون من الحكمة السياسية، والتوازن الاجتماعي، والشرعية التاريخية للمؤسسة الملكية، التي حافظت على اليهود باعتبارهم جزءًا أصيلًا من الهوية المغربية.

ولعل هذا ما يفسر أن كثيرًا من اليهود المغاربة، رغم استقرارهم في دول مختلفة، لا يزالون يقدمون أنفسهم بفخر على أنهم مغاربة قبل أي تعريف آخر. إنهم يحملون المغرب في لهجتهم، وفي موسيقاهم، وفي أعيادهم، وفي أسماء أجدادهم، وفي الحكايات التي يورثونها لأبنائهم.

وعينات ليفي واحدة من أبرز هذه الأصوات.

فهي لا تكتفي بالحنين، بل تحوّل هذا الانتماء إلى رسالة؛ تدافع عن صورة المغرب، وتبرز قيمه الإنسانية، وتقدم للعالم نموذجًا مختلفًا عن الشرق الأوسط، نموذجًا يؤمن بأن التعدد ليس تهديدًا، بل مصدر قوة.

وفي زمن أصبحت فيه الهويات تُستغل لإنتاج الكراهية، تأتي شخصيات مثل عينات ليفي لتقول إن الهوية يمكن أن تكون جسرًا لا جدارًا، وإن الوفاء للوطن لا يتعارض مع الانفتاح على الآخر، وإن الإنسان يستطيع أن يحمل أكثر من انتماء ثقافي، لكنه لا ينسى الأرض التي شكلت وجدانه الأول.

وليس من المبالغة القول إن المغرب اليوم يجني ثمار قرون من هذا التراكم الحضاري. فالعناية بالتراث اليهودي المغربي، وترميم المعابد والمقابر التاريخية، وإدماج المكون العبري في المناهج والفضاء الثقافي، ليست مجرد مبادرات ثقافية، بل رسالة حضارية تؤكد أن المغرب لا يكتب تاريخه بالإقصاء، وإنما بالاعتراف بجميع روافده.

ولهذا يشعر اليهودي المغربي، أينما كان، أن له مكانًا محفوظًا في وطنه، وأن ذاكرته ليست منسية، وأن جذوره ما زالت تُسقى بالمحبة والاحترام.

وربما لهذا السبب تحديدًا، لا يبدو غريبًا أن يدمع بعض اليهود المغاربة عندما يسمعون النشيد الوطني المغربي، أو عندما يزورون مدن آبائهم وأجدادهم. فهم لا يعودون إلى بلد أجنبي، بل يعودون إلى قطعة من أرواحهم.

إن عينات ليفي ليست مجرد اسم في المشهد الإعلامي أو الثقافي، بل شهادة حية على أن العلاقة بين المغرب وأبنائه اليهود لم تنقطع، وأن التاريخ الحقيقي أقوى من خطاب الكراهية، وأبقى من الصراعات السياسية.

وفي النهاية، قد يستطيع الإنسان أن يغيّر عنوان منزله، وقد تمنحه الحياة جنسية أخرى، وقد تفرض عليه الجغرافيا أن يعيش بعيدًا، لكن هناك شيئًا واحدًا يبقى عصيًا على التغيير…

الوطن الذي يسكن القلب.

وبالنسبة إلى عينات ليفي، كما بالنسبة إلى آلاف اليهود المغاربة، سيظل المغرب أكثر من مكان على الخريطة؛ سيظل ذاكرةً، وهويةً، وحنينًا، ووطنًا لا تغادره الروح، حتى وإن غادرته الأقدام.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة