من قلب العواصف الدبلوماسية وصخب المدرجات المشتعلة، تطل علينا معركة جديدة لم تعد تدور بالوكالة في الكواليس، بل أصبحت مواجهة كسر عظام علنية بين الرباط وباريس؛ إنها لعبة “هيبة الدولة” التي انتقلت من ردهات القصور والمجالس المغلقة لتُدار فصولها تحت الأضواء الكاشفة للمستطيل الأخضر، حيث تمتزج دماء السياسة بعرق الرياضة، وتتحول القضايا المثارة إلى أوراق ضغط ومساومات سيادية حابسة للأنفاس تضع قدرة المملكة على الصمود أمام القوى التقليدية في اختبار حقيقي.
لم يعد مغرب اليوم يتعامل مع فرنسا بمنطق “التابع” أو “الحديقة الخلفية”، فالطفرة الدبلوماسية الشرسة التي حققتها المملكة في السنوات الأخيرة فرضت واقعاً جديداً يعتمد على الندّية والشراكة المتكافئة، وتثبت المحطات المتتالية — كأزمات التأشيرات السابقة والبرود الدبلوماسي — أن الرباط مستعدة تماماً لتحمل أثقل التكاليف مقابل عدم التنازل عن مصالحها العليا وسيادتها، مستندة إلى أوراق ضغط حيوية تملكها، أبرزها التنسيق الأمني الحرج، وإدارة ملفات الهجرة، والشراكات الاقتصادية الضخمة.
وفي غمرة هذا الصعود المغربي الحارق، تحاول جهات فرنسية اللعب على “العصب العاري” للمملكة من خلال تحريك ملف النجم العالمي أشرف حكيمي؛ وحكيمي في الوجدان المغربي ليس مجرد لاعب سريع يركض على العشب أو يتقاضى الملايين في باريس سان جيرمان، بل هو “الدينامو” المحرك لمشاعر ملايين المغاربة، ومدلل المنتخب الوطني، والأيقونة الحية التي تلهم جالية عريضة في أوروبا ترفض التنازل عن هويتها، ولذلك فإن محاولة استخدام المسار القضائي أو الإعلامي ضده تُقرأ شعبياً وسياسياً كـ “رهينة استراتيجية” وابتزاز ناعم يهدف إلى كسر شوكة الكبرياء الكروي والسياسي الذي بات يقلق مضاجع صناع القرار في فرنسا.
لكن، هل ينحط المغرب أمام هذا الأمر الواقع ويخضع لسياسة “ليّ الذراع” الفرنسية؟
الجواب يأتي مدوياً من واقع موازين القوى الجديدة: مستحيل! إن قطار الرباط قد انطلق بسرعة مذهلة لا عودة فيها إلى الوراء، والمملكة لن تبيع هيبتها في سوق المساومات؛ فخلف الستار وفي الغرف المظلمة، تلوّح الرباط صراحة بـ “الورقة النووية الاقتصادية”، مهددة كبريات الشركات الفرنسية بالإقصاء من كعكة المشاريع المليارية التاريخية المرتبطة بمونديال 2030 لصالح قوى دولية بديلة كإسبانيا أو الصين، بالإضافة إلى نجاح المغرب في شن هجوم مضاد عبر “سلاح توطين الولاء الرياضي”، وجلب الجواهر الكروية الشابة من قلب المدارس الفرنسية لتمثيل راية الوطن الأم، مما شكل صفعة معنوية لمنظومة التكوين الفرنسية.
إنها مواجهة مثيرة تُحبس فيها الأنفاس بين عقلية إمبراطورية قديمة تحاول إنقاذ نفوذها المتآكل في إفريقيا، وبين مملكة صاعدة وفتية تعيد رسم خارطة النفوذ في البحر الأبيض المتوسط؛ وستثبت الأيام أن هيبة المغرب خط أحمر لا يمكن تجاوزه، وأن أسود الأطلس مستعدون دائماً لحماية عرينهم ورموزهم وسيادتهم.. سياسياً، كروياً، وإلى آخر رمق.
بقلم ذ/وهيبة وردي
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

