يندرج كتاب”الهوية السردية: دراسات في روايات فاتح عبدالسلام”، ضمن اشتغال نقدي يهدف إلى إعادة قراءة التجارب السردية العربية المعاصرة.
ويضم الكتاب الصادر حديثا عن “الآن ناشرون وموزعون” بالأردن (2026) دراسات أدبية أنجزها الروائيون والنقاد العراقيون: إبراهيم سبتي، وعلي حسين عبيد، وعباس خلف علي، ضمن مشروع المشغل السردي العراقي الرامي إلى دراسة التجارب السردية العربية التي تركت أثراً واضحا في المشهد الثقافي المعاصر، وكبداية لمشروعات نقدية أخرى تهدف إلى تسليط الضوء على منجزات السرد العراقي والعربي، وإقامة حوار مستمر بين الإبداع والنقد، بأمكنتها الأولى مهما ابتعدت عنها جغرافيا.
ويكشف الناقد عباس أن هذه الرواية تتعامل مع المنفى بوصفه تجربة وجودية معقدة تضع الإنسان أمام أسئلة الانتماء والذاكرة والمصير، ويتم ذلك من خلال شخصيات حيوية كسالي وكمال..يرصد الكاتب عبرها تأثير الحروب والنزاعات السياسية على الأفراد، وكيف تستمر آثار تلك الأحداث في تشكيل الوعي والوجدان حتى بعد الوصول إلى أماكن تبدو أكثر أمانا.
أما الناقد عبيد فيرى أن خصوصية فاتح عبد السلام السردية تتجلى في اعتماده لغة قصصية تقوم على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى بناء الدلالة عبر الرمز والصورة والاستعارة، بحيث يشارك القارئ في اكتشاف المعنى بدلاً من تقديمه جاهزا.
ويبين عبيد في دراسته أن قصص المجموعتين تستثمر موضوعات المنفى والحرب والاغتراب والحنين الإنساني، لكنها تعالجها من خلال إشارات ورموز وصور فنية مكثفة تمنح النص عمقا تأويليا وجماليا، مشيراً إلى أن العناوين والشخصيات والأحداث تتحول إلى علامات رمزية تحمل دلالات تتجاوز ظاهر الحكاية، وأن الكاتب يزاوج بين الواقعي والمتخيل والغرائبي ليضاعف أثر السرد، مع المحافظة على لغة سردية خاصة تتسم بالكثافة الشعرية والقدرة على إثارة الألم الإنساني والدهشة، مؤكداً أن الإيحاء والترميز يمثلان ركيزة أساسية في هوية فاتح عبد السلام السردية، إذ يمنحان قصصه فرادتها الفنية ويجعلان القارئ شريكاً في إنتاج المعنى واكتشاف طبقات النص العميقة.
أما سبتي فركز على الكيفية التي وظف بها فاتح عبد السلام التراث وتعامل معه بوصفه عنصراً فاعلاً في بناء الرواية، إذ يمتزج التراث الشعبي والأسطوري والتاريخي بذاكرة الشخصيات ليشكل هوية السرد ويمنحه عمقا إنسانيا وثقافيا، موضحاً أن الرواية تستحضر الماضي بوصفه قوة حية تؤثر في الحاضر، حيث تتداخل الذكريات الفردية والجماعية مع أحداث المنفى والاقتلاع والبحث عن الانتماء، فتغدو الذاكرة وسيلة لمقاومة النسيان والحفاظ على الهوية.
ويشير الباحث سبتي إلى أن الكاتب يوظف الرموز التراثية والحكايات والموروث الثقافي ضمن بناء فني حديث، مما يخلق توازناً ما بين الواقعي والمتخيل، ويمنح النص أبعاداً دلالية وجمالية متعددة، مبيناً أن نجاح هذه الرواية تمثل في قدرتها على تحويل التراث إلى طاقة سردية متجددة، تجعل الذاكرة فضاءً لاستعادة الذات والبحث عن المعنى في عالم سريع التغير.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



