بقلم: حسن الفارسي**
يواجه الورش الوطني للحماية الاجتماعية بالمغرب تحديات بنيوية كبرى تتعلق بضمان الاستدامة المالية وتكافؤ الفرص، خاصة في ظل التقاطعات الراهنة بين الرؤى السياسية الحكومية والتوجهات النقدية للبنك المركزي. يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة نقدية علمية لآليات استهداف الدعم، ومعايير الاستحقاق، وعلاقتها بملفات الإدماج الاقتصادي للفئات الهشة، لاسيما الأشخاص في وضعية إعاقة بصرية.
### أولاً: محددات الاستدامة المالية وتحديات الكلفة الاجتماعية
تتجاذب منظومة الدعم الاجتماعي المباشر بالمغرب رؤيتان أساسيتان تحددان سياق التخطيط المالي والاجماعي؛ تنبني مقاربة بنك المغرب على ضرورة الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية وتفادي العجز الهيكلي للميزانية. وتتلخص هذه الرؤية في ضرورة إبقاء الدعم الاجتماعي المباشر كآلية ظرفية ومؤقتة مخصصة لامتصاص الصدمات الاقتصادية الطارئة، عوض تحويله إلى التزام مالي دائم وغير محدد بسقف زمني تلتزم به الدولة إلى أن تقوم الساعة. ويتخوف هذا التيار من نشوء ثقافة الاتكالية المادية التي قد تؤثر سلباً على الرغبة في الاندماج الإنتاجي، مشدداً على أن الحل الحقيقي يتطلب تحقيق معدلات نمو تصاعدية قادرة على خلق فرص شغل حقيقية، مع تفعيل دور القطاع الخاص كمحرك استثماري رئيسي.
وفي المقابل، تؤكد المقاربة الحقوقية والاجتماعية على أن الحماية الاجتماعية هي التزام دستوري استراتيجي يهدف إلى تقليص الفوارق البنيوية، ولا يمكن رهن حقوق الفئات الأكثر هشاشة بالتقلبات الظرفية، بل يجب مأسسة الدعم وتطوير قنوات تمويل مبتكرة ومستدامة تضمن السلم الاجتماعي والحد الأدنى من العيش الكريم كقاعدة للنمو الشامل.
### ثانياً: مقاربة نقديـة لآليات الاستهداف وكلفة الإعاقة
تشكل الهندسة الحالية للسجل الاجتماعي الموحد ومنظومة المؤشر الاجتماعي الرقمي عائقاً بنيوياً أمام تحقيق الإنصاف، وذلك لاعتمادها على صيغ حسابية جامدة لا تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات اللوجستية والمالية لبعض الفئات، وفي مقدمتها الأشخاص في وضعية إعاقة بصرية. ويتجلى ذلك بوضوح في إغفال كلفة الإعاقة، حيث يعتمد المؤشر الحالي على قياس المظاهر الخارجية الاستهلاكية للأسرة دون خصم التكاليف الإضافية الإجبارية التي تفرضها الإعاقة، فالشخص الكفيف يتحمل كلفة مادية مضاعفة في التنقل اليومي، واقتناء التكنولوجيات المساعدة، والرعاية الصحية المرافقة، واحتساب دخل الأسرة الإجمالي دون إسقاط هذه التكاليف يؤدي تلقائياً إلى رفع المؤشر الرقمي فوق عتبة الاستحقاق، مما ينتج عنه إقصاء مجحف للأسر المستحقة.
وينضاف إلى ذلك غياب منحة الإعاقة الدائمة والمباشرة، فعلى عكس الأنظمة الاجتماعية المقارنة في العديد من الدول الرائدة، يفتقر النموذج المغربي إلى منحة إعاقة دورية مستقلة تُصرف بناءً على التشخيص الطبي والوظيفي للإعاقة كحق عيني، بغض النظر عن مؤشر الدخل العام للأسرة، وإن غياب هذه المنحة يترك الشخص في وضعية إعاقة تابعاً ماديّاً ومعنوياً، ويعمق مستويات الهشاشة.
### ثالثاً: معضلة الإدماج الاقتصادي ومفارقات أرقام التشغيل
يتجاوز الإشكال حدود الدعم المالي المباشر ليصل إلى آليات التمكين والاندماج في الدورة الاقتصادية، وهنا تبرز مفارقة صارخة بين الميزانيات الضخمة المرصودة وبين واقع التوظيف الفعلي للأشخاص في وضعية إعاقة بصرية. إن ميزانية التوظيف العمومي بلغت مستويات مالية هامة تلو الأخرى، مما أثمر إحداث عشرات الآلاف من مناصب الشغل في الوظيفة العمومية، ومع ذلك، فإن هذه الحصيلة الضخمة لم يستفد منها الأشخاص في وضعية إعاقة سوى بمئتين منصب فقط وُزّعت بين جميع الإعاقات، ولم ينل منها المكفوفون وضعاف البصر سوى أربعين منصباً وظيفياً.
تفتح هذه الأرقام المجهرية باب التساؤل المشرع حول مدى الالتزام الفعلي بالقوانين والتشريعات الوطنية ذات الصلة؛ فأين هو تنزيل مقتضيات المرسوم المتعلق بتبسيط شروط التوظيف، وتحديداً النسبة المئوية المخصصة لهذه الفئة؟ وحسب القانون الإطار المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والنهوض بها، والمنشور التنظيمي الصادر عن رئيس الحكومة، تلتزم الدولة بتخصيص كوتا نسبية محددة بسبعة بالمائة من مناصب الشغل الشاغرة في الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة.
أمام هذا التراجع التنفيذي وغياب الأثر الفعلي لتلك الحصص القانونية، تبرز الحاجة الملحة والعدالة الاجتماعية للعودة إلى آلية التوظيف المباشر بناءً على الشهادات والدبلومات العلمية صوناً لكرامة وطاقة هذه الفئة، نظراً لأن صيغة المباراة الموحدة أثبتت حصرها لآمال الكفاءات البصرية وعجزها عن استيعابهم. ويتكامل هذا المطلب مع ضرورة تفعيل تسهيلات الاستقلالية اللوجستية، وعلى رأسها إقرار حق استيراد السيارات مع الإعفاء التام والكامل من الرسوم الجمركية والضريبية لتسهيل الاندماج وتجاوز معضلة النقل، بموازاة الفتح الشامل لجميع الشعب العلمية والتقنية والتكنولوجية بالجامعات والمعاهد لتوسيع آفاق التشغيل الحديث ومواكبة الكفاءات بدل حصرها في قوالب نمطية.
### رابعاً: خلاصة وتوصيات للمستقبل
إن تحقيق التوازن بين التحذيرات التقنية لبنك المغرب بشأن استدامة الميزانية وبين المطالب الاجتماعية المشروعة للفئات الهشة يقتضي الانتقال من المقاربة الإحسانية أو النقدية الصرفة إلى مقاربة التمكين الحقوقي والاستثمار الاجتماعي.
يتطلب هذا التحول مراجعة جذرية لخوارزميات السجل الاجتماعي الموحد عبر إدراج متغير كلفة الإعاقة كعامل مخصوم من الدخل، وإقرار منحة عجز أساسية مستقلة، بالتوازي مع تفعيل الكوتا القانونية وتطهير آليات التشغيل من البيروقراطية بالعودة للتوظيف المباشر؛ فالاستدامة الحقيقية لا تتأتى بوقف الدعم أو جعله مؤقتاً، بل بتحويل الفئات المستهدفة من خانة الاستهلاك والمساعدة إلى خانة الإنتاج والاستقلالية الاقتصادية داخل مجتمع دامج ومُنصف.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


