النهار نيوز المغربية:ع الرزاق توجاني
مع حلول شهر رمضان المبارك، يتجدد الجدل في الأسواق المغربية حول الارتفاع المتواصل لأسعار اللحوم الحمراء، التي أصبحت تشكل عبئاً ثقيلاً على ميزانية الأسر، خصوصاً ذات الدخل المحدود. هذا الارتفاع يأتي رغم الإجراءات التي أعلنت عنها الحكومة خلال الأشهر الماضية لدعم الفلاحين والمستثمرين في قطاع تربية الماشية، بهدف التخفيف من آثار الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج وضمان استقرار الأسعار.
غير أن الواقع داخل الأسواق يسير في اتجاه مغاير، حيث لا يزال المواطن يواجه أسعاراً مرتفعة، ما يطرح تساؤلات عديدة حول مدى انعكاس هذا الدعم على المستهلك النهائي. فبين الكساب الذي يشتكي بدوره من غلاء الأعلاف وتكاليف التربية، والمستثمرين الذين يتحكمون في جزء مهم من سلسلة الإنتاج والتوزيع، تبقى الحقيقة ضبابية حول الجهة التي تتحمل مسؤولية هذا الوضع.
ولم يقتصر الغلاء على اللحوم الحمراء فقط، بل امتد حتى إلى بعض الأجزاء التي كانت تعتبر في متناول الجميع. فقد سجلت عدة أسواق ارتفاعاً ملحوظاً في أثمان “الكرعين” التي وصلت في بعض الأماكن إلى حوالي
150 درهم للواحدة، وهو رقم أثار استغراب المواطنين، خاصة أن هذه الأجزاء كانت في السابق من الخيارات الأقل ثمناً. كما شهدت أسعار الكبد (الكبدة) وباقي اللوازم المرتبطة بالذبيحة ارتفاعاً واضحاً، ما زاد من حدة الضغط على ميزانية الأسر خلال شهر يعرف أصلاً بارتفاع المصاريف.
وفي سياق متصل، يطرح المواطنون أيضاً تساؤلات بخصوص عيد الأضحى المقبل، خاصة أن الدولة سبق أن خصصت دعماً مهماً لقطاع تربية الأغنام بهدف توفير الأضاحي بأثمنة مناسبة للمواطنين. غير أن المؤشرات الحالية داخل الأسواق لا تبشر بكثير من التفاؤل، حيث يخشى كثيرون من أن تعرف أسعار الأضاحي بدورها ارتفاعاً جديداً، ما قد يزيد من معاناة الأسر التي تنتظر هذا الموعد الديني والاجتماعي كل عام.
وما أثار موجة من السخرية في مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً، هو تداول تصريحات لأحد الأشخاص تحدث فيها عن احتمال أن يكون عيد الأضحى “مشتعلاً” بسبب حرب دولية قد تؤثر على توفر الأغنام، في إشارة بدت للبعض غريبة وكأن الأغنام التي يعتمد عليها المغاربة تأتي من دول بعيدة مثل إيران أو إسرائيل. وقد اعتبر كثير من المتابعين هذه التصريحات بعيدة عن الواقع، خاصة أن تربية الماشية بالمغرب تعتمد أساساً على الإنتاج المحلي.
ويرى متتبعون للشأن الاقتصادي أن الإشكال لا يقف فقط عند الكساب أو المستثمر، بل قد يرتبط أيضاً بطريقة تنزيل الدعم ومراقبة مساره، إذ إن غياب آليات صارمة لتتبع الاستفادة الفعلية من هذا الدعم قد يفتح الباب أمام اختلالات تجعل أثره لا يصل إلى السوق بالشكل المطلوب.
كما أن تعدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك يساهم بدوره في تضخم الأسعار، حيث تمر المواشي بعدة مراحل قبل أن تصل إلى المجازر والأسواق، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى زيادات متتالية في السعر قبل وصولها إلى المستهلك النهائي.
وفي ظل هذه المعطيات، يطرح العديد من المتتبعين سؤالاً جوهرياً: هل المشكلة في الكساب أم في المستثمرين؟ أم أن الخلل أعمق ويتعلق بضعف آليات المراقبة وغياب تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة داخل منظومة تدبير الدعم والأسواق؟
ويبقى الأمل معقوداً على تدخل الجهات المعنية بشكل أكثر صرامة لضبط السوق وضمان الشفافية في تدبير الدعم، حتى لا يبقى المواطن وحده من يؤدي ثمن هذه الاختلالات، خصوصاً في شهر رمضان الذي يفترض أن تسوده قيم التضامن والتيسير بدل إثقال كاهل الأسر بمزيد من الغلاء
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


