نعيمة عتماني: باحثة في دراسة الأديان وحوار الثقافات، ورئيسة قسم حوار الثقافات بمركز الحكمة للدراسات الدينية وحوار الحضارات.
تعد اللغة الرسمية إحدى الركائز الأساسية التي تستند إليها الدولة الحديثة في ترسيخ مشروعيتها الرمزية وتعزيز تماسكها المؤسساتي، فاللغة لا تؤدي وظيفة تواصلية فحسب، بل تمثل وعاء للهوية الجماعية، وأداة لتجسيد السيادة، ومن مظاهر هيبة الدولة داخل المجال السياسي والمؤسساتي. ومن هذا المنطلق، يكتسب النقاش المرتبط بمكانة اللغة العربية في المغرب أهمية خاصة، بالنظر إلى ارتباطها العميق بالتاريخ السياسي والحضاري للمملكة، وبالمرجعيات الدستورية والثقافية التي تؤطر الدولة المغربية الحديثة.
وقد أعاد الجدل المتكرر حول مستوى الخطاب الصادر عن بعض ممثلي المؤسسات الدستورية، سواء داخل البرلمان أو في المحافل الدبلوماسية والدولية، طرح إشكالية الكفاءة اللغوية باعتبارها أحد المحددات الأساسية لجودة التمثيل المؤسساتي للدولة.
فالخطاب الرسمي لا ينظر إليه باعتباره تعبيرا فرديا معزولا، بل بوصفه امتدادا للصورة الاعتبارية للدولة، ومؤشرا على مستوى نضج النخب السياسية والإدارية المكلفة بتمثيلها.
وفي هذا السياق، يكتسي الفصل الخامس من دستور سنة 2011 أهمية بالغة حين نص على أن العربية تظل اللغة الرسمية للدولة، مع التزام الدولة بحمايتها وتطويرها وتنمية استعمالها، إلى جانب الأمازيغية باعتبارها لغة رسمية ورصيدا مشتركا لجميع المغاربة. ويعكس هذا التنصيص وعيا دستوريا بأن حماية اللغة الرسمية ليست مجرد خيار ثقافي، بل جزء من صيانة المرجعية السيادية والهوية المؤسساتية للدولة.
وانطلاقا من ذلك، يهدف هذا المقال إلى تحليل العلاقة البنيوية بين الحكامة اللغوية وشرعية المؤسسات بالمغرب، من خلال إبراز مكانة اللغة العربية داخل البناء الدستوري، ودراسة أثر الخطاب السياسي الرسمي في تشكيل صورتها المؤسسية وتعزيز مشروعيتها، وتحديد دور المنظومة التعليمية في إعداد نخب قادرة على تمثيلها بخطاب مؤسساتي متماسك، يجسد المرجعية الوطنية بمختلف أبعادها.
أولا: اللغة العربية والمرجعية الدستورية للدولة المغربية
ارتبطت اللغة العربية تاريخيا ببناء الدولة المغربية وتطور مؤسساتها، إذ شكلت عبر قرون طويلة لغة للإدارة والقضاء والعلم والدبلوماسية، وأسهمت في تأطير المجال السياسي والثقافي للمملكة داخل إطار حضاري موحد. ولذلك، لم تكن العربية مجرد وسيلة للتعبير، بل شكلت أحد المقومات الأساسية التي تبلورت داخلها ملامح الهوية الوطنية واستمرارية الدولة المغربية. وقد كرس دستور سنة 2011 هذه المكانة حين نص على رسمية اللغة العربية، مع إلزام الدولة بحمايتها وتطويرها وتنمية استعمالها، ويكشف هذا التوجه عن تصور دستوري ينظر إلى المسألة اللغوية باعتبارها أحد المقومات الأساسية للدولة، وليس مجرد آلية تنظيمية للتواصل داخل الإدارة والمؤسسات.
فاللغة الرسمية، في السياق الدستوري المغربي، تؤدي وظيفة تتجاوز البعد الرمزي نحو ترسيخ الانسجام المؤسساتي وتعزيز الوحدة الوطنية. ومن ثمّ، فإن احترام مكانة اللغة العربية داخل المؤسسات الرسمية يعد امتثالا لروح الدستور وتجسيدا فعليا لمرجعيات الدولة وهويتها الحضارية.
ثانيا: الخطاب السياسي والمؤسساتي و تمثيل الدولة
لا تتحدد صورة الدولة فقط من خلال قوانينها ومؤسساتها، بل تتشكل أيضا عبر الخطاب الصادر عن ممثليها داخل الهيئات الدستورية، والمحافل الدولية والدبلوماسية. فاللغة التي يعتمدها المسؤول السياسي أو ممثل المؤسسة الرسمية لا تستقبل باعتبارها خطابا فرديا، وإنما باعتبارها تعبيرا عن الدولة نفسها وعن مستوى نضج مؤسساتها.
وفي هذا الإطار، يكتسب الخطاب السياسي والمؤسساتي الرسمي أهمية خاصة في ترسيخ الثقة وتعزيز المصداقية المؤسساتية، إذ تدل رصانة الخطاب على قوة المؤسسة وقدرتها على تمثيل الدولة بصورة متماسكة، بينما يؤدي ضعف الأداء اللغوي إلى اهتزاز صورتها داخل الوعي المجتمعي.
ومن جهة أخرى، فرضت التحولات الرقمية والوسائط الإعلامية المعاصرة تداولا واسعا وتقييما مجتمعيا للخطاب المؤسساتي، مما ضاعف من استحقاقات الكفاءة اللغوية والتواصلية لدى الفاعلين السياسيين وممثلي المؤسسات الدستورية؛ إذ لم تعد المحافل الرسمية والفضاءات الدبلوماسية مقتصرة على الأبعاد السياسية الإجرائية، بل باتت واجهة تعكس النضج الخطابي لبنيان الدولة وثوابتها، إن محدودية التمكن اللغوي لدى بعض المسؤولين لا تتجلى أهميتها في البعد التعبيري، بل في كونها مؤشرا على ضعف استيعاب الأبعاد الرمزية والدلالية التي يقتضيها الخطاب الرسمي داخل بنية الدولة الحديثة.
ثالثا: الكفاءة اللغوية ومقتضيات الممارسة المؤسساتية
إن تمثيل الدولة داخل المؤسسات الدستورية أو في المحافل الدولية يقتضي امتلاك رصيد معرفي وتواصلي يمكّن المسؤول من التعبير عن مواقف الدولة وخياراتها الاستراتيجية. لذلك، تغدو الكفاءة اللغوية جزءا لا يتجزأ من الكفاءة السياسية والمؤسساتية، وعنصرا أساسيا في أداء النخب المكلفة بتدبير الشأن العام، لما لها من دور في تحسين جودة التمثيل.
فاللغة في الممارسة المؤسساتية لا تنحصر في كونها أداة تواصلية تعبيرية، بل تتجاوز ذلك إلى كونها آلية استراتيجية لإنتاج المعنى السياسي وبناء كينونة المؤسسة داخل الوعي الجماعي. ومن ثم، فإن أي اختلال في توازن الخطاب الرسمي ينعكس على مصداقية المؤسسة، ويؤثر في ثقة المجتمع بقدرتها على تمثيل الدولة بما يليق بمكانتها وسيادتها.
وإزاء هذا التلازم البنيوي بين انضباط الخطاب وقوة المؤسسة، يصبح من الضروري الانتقال من فضاء التشخيص إلى أفق الإجراء؛ وذلك عبر مأسسة الكفاءة التواصلية، وإدراج مهارات التعبير ضمن المعايير الأساسية والمحددة في منظومة التأهيل السياسي والإداري لتولّي المسؤولية المؤسساتية.
رابعا: المنظومة التعليمية والحكامة اللغوية
لا يمكن فهم إشكالية تراجع الخطاب المؤسساتي بمعزل عن التحولات البنيوية التي شهدتها المنظومة التعليمية، باعتبارها الفضاء الأساسي لتكوين النخب السياسية والإدارية والثقافية؛ فمن خلالهما تتحدد قدرة الأجيال الصاعدة على التوفيق بين المعرفة العلمية، والتمكن اللغوي، والتفكير النقدي. ذلك أن تراجع مكانة اللغة العربية داخل المنظومة التعليمية، أو تحجيم وظائفها المعرفية والتعبيرية، ينعكس حتما على جودة الخطاب المؤسساتي مستقبلا. كما أن تعزيز حضور اللغة الرسمية داخل الفضاء التعليمي والأكاديمي لا يتوقف عند حدود حماية الهوية الثقافية فحسب، بل يعد شرطا أساسيا لإعداد نخب مؤهلة لتمثيل الدولة والتعبير عن مرجعياتها الدستورية والحضارية بكفاءة لغوية ومؤسساتية.
وتبرز الأهمية الاستراتيجية لمفهوم “الحكامة اللغوية” باعتباره مقاربة مؤسساتية تهدف إلى تطوير جودة الخطاب الرسمي وضبط آليات التواصل داخل المؤسسات، قصد تحقيق الانسجام المؤسساتي وترسيخ المصداقية السياسية. فالحكامة اللغوية لا تعني الانغلاق أو رفض التعدد اللغوي، بل تقوم على تنظيم العلاقة بين اللغات في إطار يحفظ مكانة اللغات الرسمية ويخدم استقرار الدولة وتماسكها.
خلاصة القول، لا يمكن النظر إلى اللغة العربية في المغرب بوصفها مجرد مكون ثقافي أو وسيلة للتواصل، بل هي عنصر بنيوي في البناء الرمزي والدستوري للدولة؛ فالخطاب الصادر عن ممثلي المؤسسات الدستورية، يعكس صورة الدولة وهيبتها ومستوى نضج نخبها السياسية والإدارية.
وعلى هذا الأساس، يظل تعزيز مكانة اللغة الرسمية داخل الخطاب السياسي والمؤسساتي رهانا استراتيجيا يرتبط بتقوية شرعية المؤسسات وترسيخ الثقة في بنيان الدولة، كما أن إرساء حكامة لغوية فعالة يقتضي إعادة الاعتبار للغة داخل المنظومة التعليمية والمؤسسات الدستورية، وربط تحمل المسؤولية العمومية بالكفاءة التواصلية والتعبيرية.
إن الدولة التي تحسن إدارة لغتها الرسمية تعزز انسجامها الداخلي، وتكرس مرجعيتها الحضارية، وترسخ صورة مؤسساتها داخل الوعي الجماعي، لتظل الكلمة الرسمية أحد أبرز تجليات الشرعية الرمزية للدولة، ومقياسا لمدى قوة مؤسساتها وانسجامها مع ثوابتها الدستورية والوطنية.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


