حذر السوسيولوجي محمد الطوزي، رئيس جمعية “تاركا إيد”، من التحديات العميقة التي ما تزال تواجه مناطق الأطلس الكبير بعد مرور أشهر على زلزال الحوز، معتبرا أن الرهان الحقيقي لم يعد يقتصر على إعادة تشييد المنازل والبنيات المتضررة، بل يتجاوز ذلك إلى الحفاظ على التوازن الديمغرافي والاجتماعي للمجال الجبلي وضمان استمرارية الحياة الاقتصادية داخله.
وأوضح الطوزي أن الأطلس الكبير يشهد نزوحا متزايدا للشباب نحو المدن والمراكز الحضرية، الأمر الذي يهدد المنطقة بأزمة ديمغرافية حقيقية تتجلى في ارتفاع معدلات الشيخوخة وتراجع اليد العاملة القادرة على ضمان استمرارية الأنشطة الاقتصادية المحلية. وأكد أن إعادة إسكان الساكنة، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لإقناع السكان بالبقاء في مناطقهم الأصلية، ما لم تتم مواكبة ذلك بسياسات تهدف إلى إعادة تثمين وسائل الإنتاج وتحسين ظروف العيش.
وجاءت تصريحات الطوزي على هامش توقيع ثلاث اتفاقيات تمويل بين الاتحاد الأوروبي ومنظمات من المجتمع المدني المغربي لفائدة المناطق المتضررة من الزلزال، حيث كانت جمعية “تاركا إيد” ضمن الهيئات المستفيدة من هذا الدعم. وأرجع اختيار الجمعية إلى خبرتها الميدانية الطويلة في مناطق الأطلس منذ سنة 1985، وإلى المشاريع التي راكمتها في مجالات الماء والتطهير السائل والتنمية المحلية والاقتصاد التضامني.
وأشار المتحدث إلى أن المشروع الجديد يركز على إعادة تأهيل وسائل الإنتاج المتضررة، من خلال دعم شبكات الري التقليدية والسواقي والأنشطة الفلاحية وتربية الماشية، بما يسمح للأسر باستعادة مواردها الاقتصادية ومصادر دخلها. كما يولي المشروع أهمية خاصة لقضايا الماء والتطهير السائل، من خلال اعتماد حلول تقنية وطبيعية لمعالجة المياه العادمة، وهي تجارب سبق للجمعية أن اشتغلت عليها في عدد من المناطق الجبلية.
وفي تقييمه لمسار ما بعد الزلزال، اعتبر الطوزي أن المغرب نجح إلى حد كبير في تدبير مرحلة الأزمة والاستجابة السريعة للكارثة، مستفيدا من إمكاناته الذاتية ومن تعبئة مؤسسات الدولة والمجتمع، وهو ما عزز ثقة الشركاء الدوليين، وعلى رأسهم الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، في قدرة المملكة على مواجهة الأزمات الكبرى.
غير أن الطوزي شدد على أن مرحلة إعادة البناء تطرح تحديات أكثر تعقيدا، بالنظر إلى الخصوصيات الطبوغرافية والاجتماعية والثقافية التي تميز الأطلس الكبير. وأوضح أن نجاح السياسات العمومية في هذه المرحلة يقتضي اعتماد مقاربات جديدة تراعي طبيعة المجال الجبلي ورأسماله الاجتماعي والثقافي، بدل الاقتصار على إنجاز البنيات التحتية والمرافق الأساسية.
ورغم المجهودات المبذولة من قبل الدولة والساكنة، أكد الطوزي أن عددا من الإشكالات ما يزال قائما، خاصة في ما يتعلق بالإنتاج الحيواني والفلاحي، وتدبير الموارد المائية، والتمويل، وفك العزلة عن بعض المناطق، مشيرا إلى أن العديد من الأسر اعتمدت على إمكاناتها الذاتية لمواجهة آثار الكارثة وإعادة بناء جزء من حياتها اليومية.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


