الدكتور محمد شقير
يشهد حزب العدالة والتنمية، مثل باقي الأحزاب المغربية الكبرى، تنافساً واضحاً حول تزكية مرشحي ومرشحات الحزب استعداداً للانتخابات التشريعية ل 23 شتنبر 2026. لكن خصوصية هذا التنافس داخل الحزب ترتبط بكونه يجمع بين منطق التنظيم الحزبي الصارم ومنطق “الشرعية الانتخابية” للقيادات المحلية.
-مسطرة التزكية واحتواء التنافسات السياسية
منذ انطلاق مسطرة اختيار المرشحين، برزت عدة دوائر التي عرفت تنافساً داخلياً قوياً بين برلمانيين سابقين، ووجوه تنظيمية، وشباب يسعون إلى الصعود داخل الحزب. وقد ظهر ذلك خصوصاً في بعض الدوائر الكبرى مثل الرباط وسلا والصخيرات-تمارة وفاس.غير أن الحزب حاول احتواء هذه التنافسات عبر اعتماد مسطرة داخلية تقوم على المراحل التالية.
* الجموع العامة الإقليمية للترشيح،
*اقتراحات اللجان الجهوية،
*ثم الحسم النهائي داخل هيئة التزكية التابعة للأمانة العامة برئاسة عبد الإله ابن كيران.
لكن رغم هذه المسطرة التي تبدو منظمة وشفافة، فقد ظهرت عدة نقاشات داخلية حول:
*مدى احترام نتائج الجموع العامة،
*تأثير القيادة المركزية في الحسم النهائي،
*أولوية “الرمزية السياسية” لبعض الأسماء على حساب التنافس المحلي،
*وإشكال التوازن بين إعادة تدوير الوجوه القديمة وفتح المجال أمام جيل جديد.
وبالتالي ، فقد كان من أبرز أسباب الجدل الذي عرفته تنظيمات هذا الحزب شعور بعض المناضلين بأن نتائج الجموع العامة الإقليمية لم تُحترم بالكامل، بعدما تدخلت هيئة التزكية المركزية لتعديل أو تغيير بعض المقترحات المحلية. بالإضافة إلى بروز اتهامات غير مباشرة بوجود “تغليب للقيادات الوطنية” أو الأسماء ذات الرمزية السياسية على حساب مرشحين محليين يحظون بدعم تنظيمي داخل دوائرهم. وفي سياق الجدل نفسه، أثار انتقال بعض القيادات من دوائرها التقليدية إلى دوائر جديدة، مثل انتقال إدريس الأزمي إلى تمارة، نقاشاً حول ما إذا كانت القيادة تعتمد “هندسة انتخابية مركزية” لإعادة توزيع الأسماء البارزة بحسب الحسابات السياسية، وليس فقط وفق الاختيار المحلي للقواعد الحزبية.
كما أثار ترشيح أو عدم ترشيح بعض القيادات التاريخية نقاشاً حاداً داخل الحزب. فقد تداولت تقارير إعلامية وجود خلافات داخلية حول احتمال ترشح عبد الإله ابن كيران نفسه، حيث اعتبرت بعض الأصوات أن ترشح أمين عام ورئيس حكومة سابق قد يخلق إشكالاً تنظيمياً وسياسياً، بينما رأت أطراف أخرى أن حضوره الانتخابي ضروري لرفع التعبئة الحزبية. في حين أن استمرار التأجيل في الحسم ببعض الدوائر القوية انتخابياً، مثل الرباط المحيط وسلا المدينة، أثار بدوره جدلا بسبب حساسية التوازنات الداخلية. كما أن ترشح إدريس الأزمي الإدريسي بدائرة الصخيرات–تمارة بدل فاس فُسِّر بعدة اعتبارات تنظيمية وانتخابية داخل حزب العدالة والتنمية، ولم يصدر بشأنه تفسير رسمي واحد وحاسم من قيادة الحزب.فأول معطى لافت هو أن الأزمي غاب أساساً عن اللائحة الأولية التي اختارها مناضلو الحزب بفاس، سواء في فاس الجنوبية أو الشمالية، خلال الجموع العامة الإقليمية الخاصة بالترشيحات. وهو ما اعتبره متتبعون مؤشراً على تغير موازين القوى المحلية داخل الحزب بفاس، وصعود أسماء جديدة هناك.في المقابل، اختارت الأمانة العامة للحزب تزكيته وكيلاً للائحة الحزب بالصخيرات–تمارة، وهي دائرة يُنظر إليها داخل الحزب باعتبارها تحتاج إلى اسم وطني ذي حضور سياسي وإعلامي قوي، خاصة بعد تراجع الحزب انتخابياً سنة 2021. فبعض التقارير اعتبرت أن الحزب اعتمد ما سُمّي “استراتيجية الوجه الوطني” لتعويض ضعف الحضور التنظيمي المحلي بالإقليم.كما تحدثت مصادر إعلامية عن وجود تدخل مباشر من عبد الإله ابن كيران لدعم ترشيح الأزمي بتمارة، بحكم مكانته كنائب أول للأمين العام ورئيس سابق للمجلس الوطني للحزب.
لكن هذا الاختيار أثار أيضاً جدلاً محلياً، سواء داخل الحزب أو وسط بعض الفاعلين بتمارة، الذين اعتبروا أن ترشيح شخصية قادمة من فاس يطرح سؤال “الترحال الانتخابي” ومدى ارتباط المرشح بقضايا المنطقة وساكنتها. لكن سياسياً، يمكن فهم انتقال الأزمي من فاس إلى تمارة ضمن ثلاثة احتمالات مترابطة:
*إعادة توزيع القيادات الوطنية على دوائر يعتبرها الحزب قابلة لاستعادة المقاعد؛
*وجود صعوبات أو منافسة داخلية بفاس جعلت ترشحه هناك أقل أولوية؛
*ورغبة القيادة في استثمار رمزية الأزمي في دائرة قريبة من الرباط ذات وزن سياسي وإعلامي أكبر.
وقد حاولت قيادة الحزب احتواء هذه الانتقادات عبر التشديد في بلاغات الحزب الرسمية على أن:
جميع الملفات خضعت للتداول،وأن الحسم تم عبر التصويت السري،مع الأخذ بعين الاعتبار اقتراحات اللجان الجهوية والجموع الإقليمية،إضافة إلى دراسة الطعون والاعتذارات قبل اتخاذ القرار النهائي.كما وجه الأمين العام للحزب عبد الإله ابن كيران تعليمات بعدم نشر نتائج الجموع العامة الإقليمية قبل المصادقة النهائية عليها من طرف الأمانة العامة، مبرراً ذلك بأن المقترحات المحلية ليست قرارات نهائية. لكن هذا التوجيه فسر من طرف بعض المتابعين كدليل على حساسية التوازنات الداخلية وخشية الحزب من تسريب الخلافات إلى الرأي العام. خاصة وأن حدة التنافس تعود أيضاً إلى أن الحزب يعتبر انتخابات 2026 محطة العودة السياسية بعد سقوطه الكبير سنة 2021، لذلك أصبحت التزكية داخل بعض الدوائر تُنظر إليها كفرصة حقيقية للعودة إلى البرلمان. وهذا ما يفسر كثرة الطعون والاعتذارات والنقاشات التنظيمية التي صاحبت عملية الاختيار.
لكن رغم كل هذا الجدل الداخلي ، فيبدو أن مسطرة التزكية التي اعتمدها حزب العدالة والتنمية ساهمت بشكل واضح في الحسم المبكر في جزء كبير من لوائح الترشيحات الخاصة بانتخابات 2026، مقارنة بما تعيشه أحزاب أخرى ما تزال تعرف تأخراً أو صراعات مفتوحة حول المرشحين.فهذا التنظيم المبكر سمح للحزب بإغلاق عدد مهم من الدوائر قبل أشهر من موعد الحملة الانتخابية، وهو ما منح صورة عن جاهزية تنظيمية واستباق سياسي. كما أن وجود قيادة مركزية قوية، يقودها عبد الإله ابن كيران، ساعد على تسريع الحسم في الملفات الخلافية. فالأمانة العامة احتفظت بحق التدخل النهائي في بعض الدوائر، وهو ما قلل من طول المفاوضات الداخلية، حتى وإن أثار ذلك جدلاً لدى بعض المناضلين.
كما أنه من العوامل التي ساعدت على هذا الحسم المبكر اعتماد التصويت السري داخل بعض مراحل اختيار المرشحين ،ومعالجة الطعون بشكل مبكر. بالإضافة إلى دفع عدد من القيادات التاريخية إلى قبول إعادة توزيع الدوائر أو الانسحاب من السباق، كما حدث مع عبد الإله ابن كيران نفسه.لكن في المقابل، فإن هذا الحسم المبكر لم يلغِ التوترات الداخلية بالكامل، بل يمكن القول إنه نقل جزءاً من الصراع من مرحلة تأخر الحسم إلى مرحلة الاعتراض على طريقة الحسم بعدما ظهرت نقاشات حول مدى احترام اختيارات القواعد المحلية، وحجم تدخل القيادة المركزية، وطبيعة المعايير المعتمدة في بعض التزكيات. ومع ذلك، فإن الحزب نجح تنظيمياً في الوصول إلى مرحلة متقدمة من إعداد لوائحه قبل وقت مبكر نسبياً، وهو ما تعتبره القيادة شرطاً أساسياً لاستعادة التعبئة الانتخابية بعد أزمة 2021.
-الحسم المبكر في ترشيحات الحزب
يمكن القول أن حزب العدالة والتنمية قد تميز بخلاف الأحزاب الكبرى المنافسة بالحسم المبكر في لائحة ترشيحاته النهائية . أن حزب العدالة والتنمية اختار هذه المرة نهج الحسم المبكر في جزء مهم من ترشيحاته لانتخابات 2026، في محاولة لإعطاء صورة عن الانضباط التنظيمي واستعادة الجاهزية الانتخابية بعد نكسة 2021. فقد شرعت الأمانة العامة، بصفتها هيئة التزكية، منذ أبريل وماي 2026 في عقد جموع إقليمية واجتماعات مركزية للحسم في أسماء وكلاء اللوائح محلياً وجهوياً.وأعلن الحزب بالفعل عن الحسم في عشرات الدوائر الانتخابية، حيث تمت تزكية مرشحين في 19 دائرة جهوية ومحلية خلال مرحلة أولى، قبل أن تؤكد مصادر لاحقة أن الحزب أنهى تقريباً اختيار مرشحيه في كل الدوائر. هذا الحسم المبكر يحمل عدة دلالات سياسية وتنظيمية:
أولاً، محاولة ربح الوقت الانتخابي، عبر تمكين المرشحين من الانطلاق المبكر في بناء شبكات التواصل والتعبئة المحلية.
ثانياً، تفادي الصراعات الداخلية المتأخرة حول التزكيات، وهي الصراعات التي عانت منها أحزاب كثيرة قبيل الاستحقاقات.
ثالثاً، توجيه رسالة بأن الحزب ما يزال يحتفظ ببنية تنظيمية قادرة على التدبير الداخلي رغم تراجع تمثيليته البرلمانية.
رابعاً، التكيف مع المقتضيات القانونية الجديدة المتعلقة بتمثيلية النساء والشباب ومغاربة العالم داخل اللوائح الجهوية.
لكن هذا الحسم المبكر لم يمنع من ظهور نقاشات وانتقادات داخلية، خاصة بعدما تحدثت تقارير عن إدراج بعض الأسماء خارج المقترحات التي رفعتها الجموع العامة الإقليمية، وهو ما أثار تساؤلات داخل الحزب حول حدود الديمقراطية الداخلية وتوازنات التزكية في بعض الدوائر الحساسة مثل الرباط وسلا. فسياسياً، يسعى الحزب بقيادة عبد الإله ابن كيران إلى استثمار هذا الإعداد المبكر لإعادة تعبئة القواعد الحزبية واستعادة جزء من الحضور الانتخابي، خصوصاً في ظل حالة التذمر الاجتماعي والانتقادات الموجهة للحكومة الحالية. كما يراهن الحزب على أن التنظيم المبكر قد يمنحه أفضلية مقارنة بأحزاب ما تزال تعيش تجاذبات داخلية حول المرشحين والتزكيات.
-ترشيح الحزب لأسماء وازنة
على الرغم من أن بعض قيادات الحزب حبذوا ترشح الأمين العام لضرورة تعبوية ، فقد انتهى الأمر بالحسم بعدم ضرورة ترشيح عبد الإله ابن كيران لانتخابات 2026 وذلك لعدة اعتبارات سياسية تتمثل في رغبة الحزب الفصل بين موقع الأمين العام ومهمة التدبير البرلماني اليومي، خاصة وأن ابن كيران يقود حالياً مرحلة إعادة بناء الحزب بعد انهيار نتائج 2021. لذلك يبدو أن جزءاً من قيادة الحزب فضل أن يحتفظ بدور “الزعيم التعبوي” على المستوى الوطني بدل العودة إلى البرلمان كنائب عادي. كما أن قرار عدم ترشيحه جاء أيضاً لتفادي تحويل الانتخابات إلى “استفتاء شخصي” حول ابن كيران، حيث هناك تخوف بأن يمنى بن كيران بهزيمة قد تؤثر على سمعة الحزب وترتد سلبيا على سيره وتسدد ضربة قاضية لمسيرة بن كيران السياسية وبعض ما تبقى من شعبيته . وبالتالي تم التركيز بدل ذلك على اختيار كمال الكوشي وكيلاً للائحة الحزب بدائرة سلا-المدينة بدل ابن كيران.
وقد ضمت لوائح حزب العدالة والتنمية لانتخابات 2026 عدداً من الوزراء السابقين الذين تقلدوا حقائب حكومية خلال ولايتي الحزب بين 2012 و2021. حيث كان من أبرز الأسماء التي جرى تداولها أو تأكيد تزكيتها:
-إدريس الأزمي الإدريسي، الذي زُكي وكيلاً للائحة الحزب بدائرة الصخيرات–تمارة.والذي سبق أن شغل منصب وزير منتدب ويشغل منصب نائب الأمين العام.
-مصطفى الخلفي، الذي عاد للواجهة الانتخابية عبر دائرة الرباط المحيط، وهي دائرة توصف إعلامياً بأنها من أكثر الدوائر تنافساً. فقيادة الحزب حسمت الترشيح في دائرة الرباط المحيط لفائدة مصطفى الخلفي، الوزير السابق والناطق الرسمي الأسبق باسم الحكومة. وقد جاء اسمه رسمياً ضمن اللائحة النهائية لوكلاء لوائح الحزب لانتخابات 2026 التي أعلنتها الأمانة العامة للحزب.
وتُعد دائرة الرباط المحيط من أكثر الدوائر حساسية وتنافساً، لذلك اختار الحزب الدفع بوجه سياسي معروف وذي تجربة حكومية وبرلمانية لمحاولة استعادة حضوره بالعاصمة. خاصة وأن المنافسة في هذه الدائرة ستكون قوية، إذ تضم أسماء بارزة من عدة أحزاب، من بينها:المهدي بنسعيد عن المهدي بنسعيد وزير الثقافة وأحد أعضاء القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة ورئيس فريق يعقوب المنصور ، عبد الكريم بنعتيق الوزير السابق وأحد القياديين بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
-عبد الله بووانو، المرشح بدائرة مكناس، وهو من أبرز الوجوه البرلمانية للحزب خلال السنوات الماضية.
كما تضم اللوائح أسماء قيادية وبرلمانية بارزة أخرى سبق أن لعبت أدواراً مركزية داخل الحزب أو البرلمان، مثل:
-أمينة ماء العينين بدائرة عين الشق،
-عبد الصمد حيكر بدائرة أنفا،
-المقرئ الإدريسي أبوزيد بدائرة الجديدة.
ويعكس حضور هذه الأسماء توجهاً داخل الحزب نحو المزج بين إعادة الوجوه ذات الخبرة الحكومية والبرلمانية،ومحاولة تجديد النخب المحلية في بعض الدوائر. كما يكشف أن الحزب يعول على “الرمزية السياسية” لوزرائه السابقين من أجل استعادة جزء من حضوره الانتخابي بعد تراجع 2021، خصوصاً في المدن الكبرى والدوائر التي كانت تعد من معاقله التقليدية القوية انتخابياً .ولهذا تبدو معركة التزكيات والترشيحات داخل حزب العدالة والتنمية اليوم ليست فقط معركة فوز بمقاعد، بل أيضاً معركة حول شكل القيادة الحزبية وتركيبة النخبة التي ستقود الحزب في مرحلة ما بعد الانتكاسة الانتخابية السابقة. فالحزب أكد في بلاغاته المتعلقة بالتزكيات أنه استكمل اختيار مرشحيه ومرشحاته في 91 دائرة محلية و12 دائرة جهوية، مع الحرص على احترام المقتضيات القانونية المتعلقة بتمثيلية النساء والشباب. فقد حافظ الحزب على حضور نسائي بارز عبر أسماء مثل أمينة ماء العينين وصفاء خيرون ومرشحات أخريات في اللوائح الجهوية والمحلية. كما منح مساحة لشباب وأطر مهنية جديدة داخل بعض الدوائر، خصوصاً بعد النقاش الداخلي حول ضرورة تجديد النخب الحزبية بعد انتكاسة 2021.لكن في المقابل، يلاحظ أن الحزب ما يزال يعتمد بدرجة كبيرة على القيادات التاريخية والوجوه المجربة، سواء في الدوائر الكبرى أو في مواقع وكلاء اللوائح، وهو ما يجعل حضور النساء والشباب غالباً أقوى في المراتب الثانوية أو في اللوائح الجهوية أكثر من الدوائر المحلية التنافسية. فسياسيا، يحاول الحزب تحقيق توازن بين ثلاثة مكونات:
*الحفاظ على الخبرة الانتخابية عبر الوجوه المعروفة؛خاصة بعدما جمد العديد من قيادييه نشاطهم داخل الحزب كالرميد والرباح وغيرهم الذين كانوا في خلاف مع الأمين العام للحزب بن كيران.
*الاستجابة للضغوط القانونية والسياسية المتعلقة بتمثيلية النساء؛
*وفتح المجال تدريجياً أمام جيل جديد من الأطر والشباب لإعادة تجديد صورة الحزب.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


