البري الجيلالي
يبرز الفنان التشكيلي عبد اللطيف الشوفاني كأحد التجارب العصامية التي اختارت أن تبني مسارها الفني خارج القوالب الأكاديمية الجاهزة فمن رحم أزمور المدينة المشبعة بالتاريخ والرموز تشكلت رؤيته البصرية وتبلورت حساسيته الجمالية، مستندا إلى شغف ذاتي عميق وإلى إيمان راسخ بأن الفن فعل مقاومة داخلية قبل أن يكون عرضا تشكيليا
في أعماله، لا يحضر التجريد باعتباره اختيارا شكليا فحسب، بل كضرورة تعبيرية تتيح للون أن يتحرر من التمثيل المباشر ففي إحدى لوحاته تتوسط دائرة حمراء الفضاء كأنها قلب نابض داخل بنية تتوزع فيها الكتل والخطوط بإيقاع محسوب.
يتجاور الامتلاء والفراغ وتتصادم الحركية مع السكون في حوار بصري يختبر حدود التوازن بين الفوضى والنظام.
أما في عمل آخر فتشتعل المساحة بطاقة لونية دافئة حيث تتوهج درجات الأحمر والبرتقالي والأصفر قبل أن تخترقها خطوط داكنة تمنح التكوين صرامة مقصودة هنا يتحول اللون إلى لغة انفعالية صريحة ويتحول الخط إلى عنصر ضابط للإيقاع في معادلة دقيقة بين التلقائية والانضباط.
وفي تجربة أكثر تركيبا تتكاثف الأشكال الهندسية والدوائر داخل فضاء داكن متعدد الطبقات ما يمنح اللوحة بعدا تأمليا مفتوحا على قراءات متجددة لا تُفصح الأعمال معناها دفعة واحدة بل تدعو المتلقي إلى إعادة النظر وإلى اكتشاف التفاصيل المتوارية خلف كثافة التكوين.
قوة تجربة الشوفاني تكمن في هذا التوتر الخلاق بين العفوية والتخطيط وبين حرارة اللون وبرودة البنية فهو لا يسعى إلى إبهار زخرفي بل إلى صدق بصري يعكس مسار فنان صنع أدواته بنفسه وصاغ لغته التشكيلية انطلاقًا من تجربة شخصية صادقة.
إنها تجربة تؤكد أن العصامية حين تقترن بالإصرار والبحث المستمر، تتحول إلى قيمة فنية قائمة بذاتها وإلى شهادة على أن الإبداع الحقيقي يولد من الإيمان العميق بالذات وبقدرة اللون على قول ما تعجز عنه الكلمات.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



