شهدت مدينة سلا في السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا من قبل المستثمرين الشباب وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، الذين يطمحون إلى إطلاق مبادرات تساهم في تنمية الاقتصاد المحلي وخلق فرص الشغل. ومع ذلك، تواجه هذه الطموحات تحديات إدارية كبيرة تجعل الاستثمار في المدينة تجربة معقدة ومثقلة بالمخاطر.
لم يعد الحديث عن تعثر التراخيص مجرد تذمر عابر من بعض المستثمرين، بل تحول إلى واقع يومي يعيشه كل من حاول إطلاق مشروع داخل المدينة. مساطر طويلة، ملاحظات متكررة، وتدخلات متعددة تجعل مسار الحصول على الرخصة أقرب إلى متاهة إدارية يصعب الخروج منها في وقت معقول.
المستثمر، حين يقرر كراء محل أو اقتناء عقار، يكون قد التزم بتكاليف الكراء أو القروض أو تجهيز المحل. وكل يوم تأخير يعني خسارة مالية مباشرة. وغالبًا ما تأتي المفاجأة حين يجد نفسه أمام عراقيل غير متوقعة أو مطالب إضافية تظهر بعد إيداع الملف، أو ربط ترخيصه بملفات سابقة لا علاقة له بها. هنا يتحول الانتظار من إجراء إداري عادي إلى ضغط نفسي ومالي حقيقي.
المشكلة لا تكمن فقط في طول الآجال، بل أيضًا في غياب رؤية موحدة بين المصالح المتدخلة، مما يفتح الباب لتفسيرات متباينة لنفس النصوص القانونية. المستثمر قد يحصل على جواب معين من مصلحة، ثم يتلقى ملاحظة مخالفة من جهة أخرى، فيبقى معلقًا بين القرارات دون وضوح.
هذا الوضع ينعكس سلبًا على مناخ الأعمال بالمدينة، ويجعل بعض المستثمرين يفضلون التوجه إلى مدن أخرى أكثر مرونة ووضوحًا في مساطرها. والنتيجة هي خسارة فرص شغل محتملة، وتباطؤ في الدورة الاقتصادية المحلية، وتراجع جاذبية المدينة للاستثمار.
إصلاح منظومة التراخيص بسلا لم يعد ترفًا إداريًا، بل أصبح ضرورة تنموية ملحة. المطلوب تبسيط المساطر، توحيد المرجعيات القانونية، تحديد آجال زمنية ملزمة، واعتماد رقمنة حقيقية تمكن صاحب المشروع من تتبع ملفه بشفافية ودون تنقلات مرهقة أو انتظار مفتوح.
سلا تتوفر على مؤهلات بشرية وموقع استراتيجي مهم، لكنها بحاجة إلى إدارة ترافق المستثمر بدل أن تثقله، وتشجع المبادرة بدل أن تضع أمامها الحواجز. فالاستثمار ليس امتيازًا خاصًا، بل رافعة أساسية للتنمية وخلق فرص الشغل، وحمايته مسؤولية جماعية.
*بقلم الحسن المعتصم، الكاتب الجهوي للفضاء المغربي للمهنيين وعضو غرفة التجارة والصناعة والخدمات بجهة الرباط–سلا–القنيطرة*
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
