مراسل – عزيز اليوبي
في واقعة خطيرة تهز صورة العمل الجماعي والمؤسسات المنتخبة بالمغرب، اهتز الرأي العام المحلي والوطني على وقع اعتداء جسدي ولفظي شنيع طال رئيسة جماعة بومية بإقليم ميدلت وعددًا من أعضاء المجلس الجماعي، داخل مقر رسمي اثناء اشغال إنعقاد دورة أكتوبر لسنة 2025 ، من المفترض أن يكون رمزًا للديمقراطية، واحترام القانون، وتدبير الشأن العام في إطار المسؤولية والمحاسبة.
الاعتداء، الذي نفذه مستشار جماعي ينتمي لحزب التجمع الوطني للأحرار، لم يكن مجرد سلوك معزول أو انفعال لحظي، بل يعكس انحدارًا خطيرًا في الممارسة السياسية، واستباحة مقلقة لحرمة المؤسسات الدستورية، في تحدٍ سافر للقانون، وللدستور المغربي، وللقيم التي يُفترض أن تحكم العمل الجماعي.
حسب المعطيات المتوفرة، فإن الاعتداء وقع أثناء اشغال دورة أكتوبر لسنة 2025 ، داخل قاعة الاجتماعات بمقر الجماعة، حيث أقدم المستشار المذكور على السب والشتم والضرب في حق رئيسة الجماعة وأعضاء آخرين، في مشهد صادم تم توثيق جزء منه عبر فيديو مسرب انتشر على نطاق واسع بمواقع التواصل الاجتماعي، وأثار موجة غضب واستنكار عارمة.
فبدل الاحتكام إلى الحوار، والآليات الديمقراطية، واحترام نتائج التصويت، اختار المستشار المعتدي منطق البلطجة والعنف، في سلوك لا يمت بصلة للعمل السياسي النبيل، ولا للأخلاق التي يُفترض أن يتحلى بها منتخب يمثل المواطنين.
تصويت ديمقراطي يتحول إلى “جريمة” في نظر المعتدي
الأخطر في هذه الواقعة أن خلفية الاعتداء، حسب تحقيقات أولية باشرتها هيئات حقوقية وبعض الإعلاميين، تعود إلى تصويت شفاف وديمقراطي قامت به رئيسة الجماعة، في إطار انتخاب منتدبين لحفظ الصحة بالجماعة، وهو تصويت تم بالإجماع وراعت فيه المصلحة العامة، بعيدًا عن الحسابات الضيقة أو الولاءات الحزبية.
غير أن هذا الخيار الديمقراطي لم يرق للمستشار المعتدي، الذي رفض نتائج التصويت، واعتبر أن إرادة المجلس لا تعلو على رغباته الشخصية، ليُفرغ غضبه في شكل اعتداء جسدي ولفظي، ضاربًا عرض الحائط بكل القوانين المؤطرة للعمل الجماعي.
ما وقع بجماعة بومية يُعد خرقًا سافرًا للدستور المغربي الذي ينص على حماية كرامة الأشخاص، وضمان سلامتهم الجسدية والمعنوية، كما يشكل انتهاكًا واضحًا للقوانين التنظيمية للجماعات الترابية، وللنظام الداخلي للمجلس الجماعي.
وأمام خطورة الواقعة، سارعت فعاليات حقوقية وجمعوية وإعلامية إلى التنديد الشديد بهذا “الهجوم البلطجي”، مطالبة بفتح تحقيق عاجل ونزيه من طرف النيابة العامة، مع الرجوع إلى:
– تسجيلات كاميرات المراقبة داخل قاعة الاجتماعات
– الاستماع إلى جميع الشهود
– اعتماد الفيديوهات المتداولة كوسائل إثبات
غير أن ما زاد من حدة الغضب والاستياء هو الصمت المطبق للجهات الحزبية المعنية، سواء على مستوى المنسق الجهوي لحزب التجمع الوطني للأحرار بجهة درعة تافيلالت أو على مستوى الأمانة العامة للحزب، التي اكتفت – حسب تعبير المتتبعين – بـ“التفرج من بعيد”، دون أي موقف واضح يُدين العنف أو ينحاز إلى القانون.
الاعتداء على رئيسة جماعة بومية لا يمكن فصله عن ظاهرة العنف السياسي ضد النساء، التي ما زالت تطل برأسها في بعض الفضاءات المنتخبة، حيث تُستهدف النساء المنتخبات كلما اخترن الاستقلالية، أو رفضن الخضوع لمنطق الأوامر والابتزاز.
إن ما حدث ليس فقط اعتداءً على شخص رئيسة الجماعة، بل هو اعتداء على صورة المرأة المنتخبة، وعلى حقها في ممارسة مهامها بكل حرية ومسؤولية، وعلى مبدأ تكافؤ الفرص داخل المؤسسات التمثيلية.
تؤكد الهيئات الحقوقية أن التغاضي عن هذا السلوك الخطير، أو محاولة تمييعه، سيشكل سابقة خطيرة، ورسالة سلبية مفادها أن العنف داخل المؤسسات يمكن أن يمر دون عقاب، خاصة إذا كان مرتكبه ينتمي لحزب يقود الحكومة.
ومن هذا المنطلق، فإن المطالب اليوم واضحة:
فتح تحقيق قضائي عاجل ومستقل
– ترتيب الجزاءات القانونية في حق المعتدي
– رد الاعتبار لرئيسة جماعة بومية
– تحمل الأحزاب لمسؤوليتها السياسية والأخلاقية
– حماية حرمة المؤسسات المنتخبة من منطق العنف والبلطجة
إن الديمقراطية لا تُبنى بالسب والشتم، ولا تُدار بالاعتداء والتهديد، ولا تُحترم بمنطق “من يعارضني أضربه”. ما وقع في جماعة بومية ناقوس خطر حقيقي، يستوجب وقفة جادة من الدولة، ومن القضاء، ومن الأحزاب السياسية، حتى لا تتحول المجالس المنتخبة إلى ساحات فوضى، ويفقد المواطن ما تبقى من ثقته في العمل السياسي.
فإما دولة قانون تحمي منتخبِيها ومؤسساتها،
وإما صمت يُغذي العنف ويشرعن الانحراف.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



