أعده: العدل الدكتور يوسف الحزيمري
يأتي مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بمهنة العدول كحلقة مفصلية في مسار تحديث منظومة العدالة بالمغرب، وتنزيل مخرجات النموذج التنموي الجديد الذي يراهن على “العدالة المجالية” كركيزة للاستقرار والتنمية. غير أن القراءة التحليلية لمقتضيات هذا المشروع تكشف عن هوة واسعة بين النص التشريعي الموحد وبين الخصوصيات السوسيو-مجالية والواقع العقاري المركب للأقاليم الجنوبية وغيرها من المناطق. فبينما تسعى الدولة لتعزيز السيادة القانونية وتثبيت الحقوق في الصحراء المغربية، يطرح هذا المشروع إشكالات عميقة تتعلق بمدى قدرة “العقلية التشريعية المركزية” على استيعاب النظم القبلية والأعراف التوثيقية المتوارثة، مما يضع مهنة العدالة بالجنوب أمام تحدي الموازنة بين متطلبات التحديث القسري وضرورات الحفاظ على السلم الاجتماعي والأمن العقاري.
ويرتكز الموضوع على ثلاثة محاور رئيسية:
الخصوصية المجالية، والخصوصية الضريبية والعقارية، والخصوصية السوسيولوجية.
1. الخصوصية المجالية:
من العدل المتوجه إلى الجمود المكتبي: تداعيات المادة 10 على المرتفقين في المناطق الشاسعة:
فرض الممارسة للمهنة ب”المكتب” في المادة 10 من مشروع قانون العدول 16.22 بصيغة عامة دون التنصيص على التوجه الذي هو من صلب عمل العدل بغض النظر عن الاختصاص المكاني، يعد تراجعا عن مبدأ التوجه والقرب التاريخي للمهنة، مما يتعارض مع خصوصية المناطق الجنوبية الشاسعة ونمط العيش المرتبط بالترحال، ويُثقل كاهل المرتفقين بتكاليف التنقل، ويحد من دور العدل كفاعل ميداني، هذا التوجه يتناقض مع استراتيجية الدولة في العدالة المجالية، ويؤدي إلى تركيز الخدمة في المدن الكبرى، ويفرض أعباء مادية لا تتناسب مع واقع الدخل في المناطق ذات المردودية الضعيفة.
بين هاجس الضبط المهني وضرورات الإقلاع التنموي: الجمود الوظيفي للعدل كعائق في الأقاليم الجنوبية:
– تطرح المادتان 8 و9 من مشروع القانون رقم 16.22 إشكالية “الجمود الوظيفي” والمنع من العمل التطوعي للعدل باعتباره كفاءة وطنية، والتي قد تتعارض مع دينامية النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية؛ فبينما تهدف السياسة الملكية إلى استنفار كافة الكفاءات المحلية لمواكبة الأوراش الكبرى، تضع هذه المقتضيات قيوداً قد تحرم المنطقة من خبرات قانونية واجتماعية ودينية مزدوجة.
هذا المنع والتقييدات المفروضة قد تؤدي إلى تعطيل كفاءات ضرورية للمنطقة، وتحد من مساهمتها في التنمية، مما يخلق فجوة بين التشريع والواقع المحلي، ويضعف القدرة على الاستفادة من هذه الخبرات في دعم الاستثمار وتجويد العمل المؤسساتي على جميع الأصعدة.
شلل الحركة التوثيقية بالجنوب: أثر المادة 39 على تداول الوعاء العقاري بالأقاليم الجنوبية:
– تعتبر المادة 39 (الفقرة 6) من مشروع القانون 16.22 بمثابة “عقبة تشريعية” أمام الاستقرار العقاري والاجتماعي في الأقاليم الجنوبية، حيث يهدد نصها الحالي بشل الحركة التوثيقية تماماً نتيجة عدم مراعاة الخصوصية المجالية للوعاء العقاري وطرق الاستفادة منه بهذه المناطق.
هذا العائق التشريعي سيشل الحركة التوثيقية بالأقاليم الجنوبية، لكونها تمنع توثيق العقود المتعلقة بأموال لم تستوفِ إجراءات تفويتها، وهو ما يتصادم مع الواقع العقاري للمنطقة الذي يهيمن عليه ملك الدولة الخاص وتدبره “أصول استفادات” في أفق التسوية النهائية. إن هذا المنع يخرق الخصوصية المجالية ويؤدي إلى تجميد المعاملات العقارية للمواطنين من قبل العدول، مما يضطرهم للعودة إلى العقود العرفية غير الآمنة، ويتناقض مع أهداف النموذج التنموي الجديد الذي يتطلب مرونة قانونية لاستيعاب الوضعيات العقارية الاستثنائية بالجنوب وتثبيت الحقوق في انتظار استكمال مساطر التحفيظ النهائية.
2. الخصوصية الضريبية:
المادة 39 ومشروعية الامتيازات الضريبية: عائق تشريعي أمام التوثيق العقاري بالأقاليم الجنوبية:
تُغفل المادة 39 من مشروع قانون العدول الخصوصية الضريبية المتمثلة في الإعفاءات والامتيازات، وكذا الخصوصية المجالية للأقاليم الجنوبية بتبنيها مقاربة تشريعية موحدة، إذ تتصادم مع واقع الامتيازات القائمة على أعراف إدارية وليست نصوصاً صريحة، مما يجعل شرط “استيفاء الإجراءات” عائقاً أمام توثيق العقود المتعلقة بأموال معفاة أو في طور التسوية. هذا التضارب يشل الحركة التوثيقية ويعزز الفجوة بين النص القانوني الجامد ودينامية النموذج التنموي المنشود، ويقوض دور الوثيقة العدلية في دعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي بالمنطقة.
إن المادة 39 (خاصة الفقرة 6) “سيف مسلط” على رقبة العدل في الأقاليم الجنوبية لأنها تضعه في مأزق قانوني ومهني مستحيل، حيث يُحاصر بين نص تشريعي زجري صارم وبين واقع عقاري وضريبي معقد واستثنائي.
3. الخصوصية السوسيولوجية (الأعراف والترابط الاجتماعي):
المادة 51 واختلال السوسيولوجيا القبلية: أثر منع شهادة الأقارب على التوثيق بالأقاليم الجنوبية:
إن منع الأقارب إلى غاية الدرجة الثالثة من الشهادة وإغفال الخصوصية القبلية، سيؤدي عملياً إلى إعدام إمكانية العثور على شهود “محايدين” بالمعنى القانوني الضيق، لكون أفراد القبيلة الواحدة أو “الفخذة” الواحدة غالباً ما تربطهم صلات قرابة تدخل في نطاق المنع، رغم أنهم هم الأقدر والأحق على إثبات الوقائع.
وعليه تُشكل المادة 51 من مشروع قانون العدول تصادماً صريحاً مع الخصوصية السوسيولوجية للأقاليم الجنوبية، إذ يؤدي منع الأقارب من الشهادة في بيئة يسودها النظام القبلي والروابط الأسرية المتداخلة إلى شلل “شهادة اللفيف” وصعوبة إثبات الحقوق والوقائع المادية. إن هذا النص يتجاهل الأعراف المتوارثة التي تضع الثقة في شهادة أهل القبيلة لخبرتهم بالمجال، مما يفرغ الوثيقة العدلية من محتواها الاجتماعي، ويعيق الوصول إلى العدالة في مجتمعات مترابطة، ويشجع بالتبعية على العودة إلى التوثيق العرفي هرباً من القيود القانونية التي لا تراعي الذكاء المجالي والواقع البشري للصحراء المغربية.
المادة 67 وتقويض ‘لفيف السماع’: تهديد للأمن التوثيقي والخصوصية القبلية بالأقاليم الجنوبية:
تُعد المادة 67 (الفقرة الأخيرة) من مشروع القانون 16.22 بمثابة “رصاصة رحمة” على نظام “لفيفيات السماع” بالأقاليم الجنوبية، حيث تعطل آلية توثيقية حيوية تحفظ أنساب وحقوق ساكنة الصحراء المغربية منذ قرون، في الأقاليم الجنوبية، تُبنى “لفيفيات السماع” (شهادة التواتر) على ما استفاض واشتهر بين أفراد القبيلة بخصوص، إثبات نسب، أو وقائع مادية تاريخية. اشتراط “العلم التام” (الذي يفسره الفقه القانوني بالعلم العياني المباشر) ينسف هذه الخصوصية؛ إذ يستحيل على شاهد في عام 2026 أن يحيط “علماً تاماً” بوقائع جرت قبل عقود، لكنه يملك “علماً كافياً” مستمداً من التواتر القبلي. هذا التشدد يؤدي إلى ضياع حقوق تاريخية لا يمكن إثباتها إلا بالسماع.
حصار اللفيف بموجب المادة 68: تغييب الخصوصية المجالية وإعدام وسائل الإثبات التقليدية بالجنوب:
تُعد المادة 68 الحلقة الأخيرة في “الحصار التشريعي” المضروب على خصوصية الأقاليم الجنوبية، إذ تربط إقامة شهادة اللفيف بضرورة توفر “وثائق ضرورية”، وهو ما يتناقض مع الدور التاريخي للفيف كآلية بديلة تُستخدم تحديداً عند غياب الرسوم الرسمية لإثبات الملكيات والأنساب. هذا الاشتراط، بالارتباط مع منع المادة 39 وتشدد المادة 67، يخلق “حلقة مفرغة” تحرم المواطن بالجنوب من وسيلة الإثبات الوحيدة المتاحة له، ويحول اللفيف من أداة مرنة لاستقرار الحقوق القبلية والعرفية إلى إجراء إداري معقد يشل الحركة التوثيقية ويضرب الأمن العقاري والاجتماعي في الصميم لعدم مراعاته الواقع الميداني لهذه الجهات.
ختاماً، إن إصلاح “خطة العدالة” في عام 2026 لا يمكن أن يحقق غاياته الكبرى دون استحضار “الذكاء المجالي” الذي يراعي استثنائية الأقاليم الجنوبية؛ فالمواد التي تفرض وتشدد الخناق على “شهادة اللفيف” و”السماع” قد تتحول من أدوات للضبط إلى معاول لهدم آليات الإثبات التقليدية التي حفظت أنساب وممتلكات المواطنين لقرون. إن الحاجة باتت ملحة لتكييف هذا النص القانوني مع الواقع الميداني عبر إقرار مقتضيات انتقالية أو استثناءات مجالية تحترم طبيعة الوعاء العقاري والروابط السوسيولوجية للقبيلة، لضمان عدم تحول القانون إلى “سيف مسلط” يشل الحركة التوثيقية.
إن الرهان الحقيقي يكمن في إنتاج قانون “للمواطن والمهني معا”، يحمي الحقوق دون إعدام الخصوصيات، ويجعل من العدل فاعلاً في التنمية بالأقاليم الجنوبية لا مجرد موظف مكتبي غريب عن بيئته الاجتماعية.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

