المغرب دعامة للدين…بقلم الشيخ عبد الغني العمري الحسني

الإعلانات


إن الناس اعتادوا النظر إلى الأمور بعيون غيرهم، في أزمنة الفتنة. ونعني على التخصيص هنا، من يريدون تقليد البلدان الغربية في منطقها الدنيوي المقطوع. هؤلاء، لا يُمكن أن ينوبوا عن الشعب المغربي؛ في آرائه السياسية والدينية، و… وطمعهم في أن يأتي يوم، يكون فيه المغرب بلدا لا دينيا، هو من المحال. نقول لهم هذا ليريحوا أنفسهم!..

إن المغرب عند أهل التحقيق هو بلد الأولياء، كما كان المشرق بلد الأنبياء. ومن هذا الأصل، تجد أهل المشرق يتوجهون إلى العلوم الشرعية الظاهرة، وإلى التّعبد؛ وتجد المغاربة يتوجهون نحو التصوف وعلوم الباطن. هذا على العموم؛ وإلا فإن كل بلد به من الصنفين جميعا؛ وإن كان التحقيق يعطي أن يكون فقهاء المغرب معدودين من أهل المشرق، وأولياء المشرق معدودين من المغرب.

يكفي المغرب فخرا، أن يكون ختم الولاية المحمدية، الشيخ الأكبر، ابن العربي الحاتمي، منه؛ عليه السلام. ويكفي أن يكون أصل الطريق الشاذلية كلها، القطب عبد السلام بن بشيش، منه؛ رضي الله عنه؛ وأن يكون أصل البدوي، والشعراني، وابن إدريس، وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين منه

ولسنا من أولئك الذين يتكلمون عن الماضي، وهم مباينون له في الحال والتوجه؛ ولكننا بحمد الله نربط الماضي بالحاضر والمستقبل؛ ونقول: ما زال المغرب بلد الأولياء إلى الآن!.. ومن يرد من أهل المشرق قبسا، فليس له إلا أن ييمم شطره!..

يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»[1]؛ فهذه بشارة نبوية لأهل المغرب، تدل على أنهم عُمدة في آخر الزمان، لمن أراد تبيّن الحق. فماذا بعد هذا الشرف من شرف؟!.. ويقول الشيخ الأكبر عليه السلام: “فالحمد لله الذي جعل فتح هذا المغرب فتح أسرار وغيره؛ فلا تُفتض أبكار الأسرار إلا عندنا؛ ثم تطلع عليكم في مشرقكم ثيبات قد فرضن عدتهن؛ فنكحتموهن بأفق المشرق؛ فتساوينا في لذة النكاح، وفزنا بلذة الافتضاض[2]. وهذا يؤكد إمامة أهل المغرب في مجال علم الأسرار، كما ذكرنا.

ورغم أن المغرب، قد عرف ما عرفته البلدان الإسلامية الأخرى من مذاهب فقهية وعقدية؛ إلا أنه مؤهل دون سواه من البلدان وقبلها، للعودة إلى الأصل الأول للدين، فقها وعقيدة. ومن هنا وجب على فقهائنا، توسيع أفقهم، والتشمير عن سواعدهم؛ حتى يكون لهم فضل السبق من بين إخوانهم. وأما العقيدة، فإن عوام المغاربة كانوا، دائما على صحيحها. والمتلونون من حيث العقيدة، عبر العصور، كانوا الفقهاء، الذين يُعتبرون وجها لمذهب الدولة الرسمي، مع كلّ دولة. ونحن نفرق بين مذهب الفقهاء، ومذهب العامة. ومن نظر إلى العامة اليوم، فإنه يجدهم أقرب إلى الأصل، لولا شوائب أصابتهم من متسلِّفتنا المتأخرين. والمغاربة شيعة من جهة ولائهم لآل البيت عليهم السلام؛ وأهل سنة، من جهة تعظيمهم للصحابة كلهم، رضي الله عنهم. ومازال هذا مستمرا فيهم إلى الآن، بحمد الله.

لقد بدأ المغرب فعلا، بإحياء إشعاعه الديني على إفريقيا وأوروبا؛ وإن كنا نرى أن الشعوب ينبغي أن تُعَدّ من الآن لقبول الاختلاف المذهبي، وللتركيز على المشترك من الدين؛ الذي يُعتبر نواة الحق الصلبة للدين في آخر الزمان. وعلى الدولة المغربية، أن لا تكتفي بما هو رسمي حكومي؛ لكي تصل فيما بعد، إلى العمل الشعبي المنظّم. فإن المرحلة المقبلة ستكون شعبية المعالم، أكثر من سابقاتها.

ومن جهة الجغرافيا، فإن المغرب لم يستثمر بعدُ موقعه جسراً بين إفريقيا وأوروبا، وبين الشرق والغرب، كما ينبغي. ذلك لأنه لم يستقل عن نفوذ الدول التي كان يراها ذات قوة في المنطقة كفرنسا، أو في العالم كالولايات المتحدة. وهو يملك من المقومات -التي ذكرنا بعضها- ما يجعله قوة إقليمية منافِسة، إن توافرت الشجاعة السياسية، والجرأة على التغيير الداخلي.

إن قضية الصحراء المغربية، التي تُتّخذ ذريعة للضغط السياسي على المغرب، لم تُعالج بما ينبغي من الحسم من قِبل الدولة المغربية. وهي باعتمادها على المساندة الخارجية، بصفة شبه كلية، قد جعلت مفاتيح القضية في أيدي غيرها. وهذا غلط استراتيجي فادح!.. كان ينبغي، أن تُجعل قضية الصحراء قضية شعب، لا قضية نظام حكم. وهذا لا يكون إلا بإعطاء الشعب حقه في العيش بكرامة. وإن مسألة الحكم الذاتي المعروضة على أنظار الأمم المتحدة، لم تكن سليمة؛ لأنها صارت سقفا، لا يُمكن تجاوزه، مع إمكان النزول عنه. والحقيقة أن الصحراء، لو اعتُنِي بتنميتها حقوقيا واجتماعيا -وأشيع فيها العدل بقدر المستطاع؛ واجتُنب الاعتماد فيها على العائلات ذات النفوذ، على غرار ما يفعله النظام في الشمال بطريقة عتيقة- لما ميّزها أحد عن عموم البلاد المغربية. وحينها، فإما أن يكون المغرب كاملا بشماله وجنوبه، وإما لا يكون. والشعب كله على هذا الرأي؛ لكن عندما يكون المفاوض الممثل للدولة، أضعف من الشعب، فإنه يقود إلى الإخفاق حتما.

إن أهل الصحراء، هم مخزون المغرب من حيث الأصالة الدينية واللغوية على الخصوص. وكان ينبغي أن يُعاملوا باحترام، لا أن يُلحقوا بما عرفه الشمال منذ الاستقلال، من إذلال وإهانة. وعلى من يظنون أنفسهم -من رجال الأمن والسلطة (ومنهم شرفاء)- يُمسكون بمقاليد البلاد بطريقة القهر والاضطهاد، أن يعلموا أن العالم كله تغير؛ وأن ما يواصلونه من إقصاء لأفراد الشعب، عن تدبير شؤون بلدهم بما يقتضيه منطق الأشياء، سيجعلهم يُصنَّفون قوة أجنبية في الوُجدان الجماعي الشعبي. وإن ما نراه اليوم من مقاربات تحديثية في سلوك رجال الأمن، لا ينبغي أن يكون شكليا صوريا كما جرت العادة، يُقصد منه مخادعة الشعب؛ ولكن ينبغي أن يدخل في تغيير حقيقي ضمن ثقافة أمنية راقية. نقول هذا، ونحن نعلم أن من رجال السلطة والأمن، من هم أكثر رغبة منا في إعادة أجهزتهم إلى سواء السبيل.

لا ينبغي أن يستهين أحد من العاملين بأجهزة الدولة، بأبعاد كل تصرفاتهم تجاه أفراد الشعب؛ مما هو شبيه بما أدى إلى إحراق بعض الناس أجسادهم، احتجاجا على عُنجُهية السلطة. لن نقبل بوصفنا أفرادا -كباقي أفراد هذا الشعب- أن يُدفع أحد منا إلى فعل مثل ما فُعل، بسبب القهر والاحتقار. إن شعبا يرضى أن يُعامل بمثل ما رأينا، لا يستحق أن يعيش؛ ولَبَطنُ الأرض خير له من ظهرها، يومئذ!..

إن الدين جاء ليكرم الإنسان، لا ليُعبِّده للإنسان!.. فلنفهم هذا مرة واحدة!.. ولنؤسس عليه جميع معاملاتنا الفردية والجماعية؛ الدولية والأسرية. إن مما يحجب جل المسلمين عن دينهم، ما يجدونه من ظلم حولهم، يُلبَس للدين؛ وكأن الله تعالى تنازل عن ربوبيته لأحد من المخلوقين!.. هذا ينبغي أن ينتهي، إلى غير رجعة. لن ننتظر من أمم كافرة، أن تأتي لتُعلّمنا كيف نخرج من عبودية العباد. إن الأمر قد تجاوز، ما يمكن أن تحتمله الشعوب، التي ما زالت بها بقية آدمية!..

لا يُمكن للمغرب أن يقوم بـ”دوره” الحضاري الذي نريد أن ننبه إليه في هذا الفصل، وهو يعيش بقوانين (القوانين المعمول بها غير المكتوبة) الجاهلية الأولى. على الجهات المعنية أن تفقه هذا؛ وعلى فقهائنا أن يكونوا لسان الدين فعلا، لا سوطه فحسب!.. عليهم أن يتحولوا من مهمة سدنة المعابد، إلى أئمةٍ للجماهير. يقول الله تعالى لهم، قبل غيرهم: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24].

إن المجالس العلمية المغربية، عليها أن لا تكون سُلطة أمنية أو شبه تنفيذية؛ بل عليها أن تعمل على تأسيس قيمة لها جديدة، تعمل بموجبها على أن تصير سُلطة توجيهية مستقلة عن سلطة الحُكم عموما؛ تعمل لما فيه خير الجميع، حكاما ومحكومين؛ وتبدي رأيها -بما يُرضي الله- في كل ما يحدث من مهمات الأمور. بهذا وحده، يستعيد الفقهاء مكانتهم التي خوّلهم ربهم. وبهذا يحملهم المغاربة على رؤوسهم، بكل فخر واعتزاز، ونحن في مقدمة الحاملين بإذن الله. فإن الله وحده يعلم، كم نحب الفقهاء العلماء العاملين، ونتمنى أن نقبل رؤوسهم وأقدامهم!..

لكننا بالمقابل، سنكون بالمرصاد للمداهنين، الذين يبيعون أمةً بأكملها، لغايات شخصية خسيسة. سنعاملهم بما أوجب الله علينا تجاههم، ولن يُخيفنا منهم لؤم ولا مكر ولا خداع. المصلحة العامة، قبل مصلحتنا ومصلحتهم!.. وإما اجتماع على الحق، أو افتراق عليه!..

 . أخرجه مسلم، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

. رسالة الانتصار؛ ص: 4 الجزء: 2؛ من طبعة دائرة المعارف العثمانية.

 

يُنشر هذا المقال (من سلسلة سلطة الفقهاء وأثرها على الشعوب) بعد مرور 575 يوم، من الاعتصام المفتوح للشيخ وأسرته؛ بسبب اضطهاد الحكومة وأجهزتها الذي ما زال مستمرا إلى الآن.